ابن رشد

173

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

فإن قالوا الإرادة هي نفس الفعل فقد قالوا محالا : فإن الإرادة هي سبب الفعل في المريد . ولو كان المريد إذا أراد شيئا ما ، في وقت ما ، وجد ذلك الشيء عند حضور وقته ، من غير فعل منه بالإرادة المتقدمة ، لكان ذلك الشيء موجودا عن غير فاعل . [ 231 ] وأيضا فقد يظن أنه إن كان واجبا أن يكون ( 56 / و ) عن الإرادة الحادثة مراد حادث ، فقد يجب أن يكون عن الإرادة القديمة مراد قديم ، وإلا كان مراد الإرادة القديمة والحادثة واحدا ، وذلك مستحيل . [ 232 ] فهذه الشبه كلها فإنما أثارها في الإسلام أهل الكلام بتصريحهم في الشرع بما لم يأذن به اللّه : فإنه ليس في الشرع أنه سبحانه مريد بإرادة حادثة ولا قديمة ، فلا هم في هذه الأشياء اتبعوا ظواهر الشرع فكانوا ممن سعادته ونجاته باتباع الظاهر . ولا هم أيضا لحقوا بمرتبة أهل اليقين ، فكانوا ممن سعادته في علوم اليقين . ولذلك ليسوا من العلماء ولا من جمهور المؤمنين المصدقين ، وإنما هم من الذين في قلوبهم زيغ وفي قلوبهم مرض ، فإنهم يقولون بالنطق الخارج أشياء يخالفها النطق الباطن منهم . [ 233 ] وسبب ذلك العصبية والمحبة . وقد يكون الاعتياد لأمثال هذه الأقاويل سببا للانخلاع عن المعقولات ، كما نرى يعرض للذين مهروا بطريق الأشعرية وارتاضوا بها منذ الصبا . فهؤلاء لا شك محجوبون بحجاب العادة والمنشأ . فهذا الذي ذكرنا من أمر هذه المسألة كاف ، بحسب غرضنا . فلنسر إلى المسألة الثانية . [ 6 - في بعث الرسل . . . والمعجزات ] [ 234 ] المسألة الثانية في بعث الرسل . والنظر في هذه المسألة في موضعين : أحدهما في إثبات الرسل . والموضع الثاني فيما يبين به أن هذا الشخص الذي يدعي الرسالة واحد منهم ، وأنه ليس بكاذب في دعواه . [ 235 ] فأما وجود مثل هذا الصنف من الناس ، فقد رام قوم إثبات ذلك بالقياس ، وهم المتكلمون ، وقالوا : قد ثبت أن اللّه متكلم ومريد ومالك لعباده . وجائز على المتكلم