ابن رشد

162

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

[ 192 ] وإذ « 81 » قد تقرر لنا هذا الأصل ، فواجب أن تكون الطريقة التي سلكها الشرع في تعليم الجمهور حدوث العالم ، من الطرق البسيطة المعترف بها عند الجميع . وواجب ، إن كان حدوثه ليس له مثال في الشاهد ، أن يكون الشرع استعمل في تمثيل ذلك حدوث الأشياء المشاهدة . [ 2 - دليل العناية ] [ 193 ] فأما الطريق التي سلكها الشرع في تعليم الجمهور أن العالم مصنوع للّه تبارك وتعالى ، فإنه ، إذا تؤملت الآيات التي تضمنت هذا المعنى ، وجدت تلك الطرق هي طريق العناية . وهي إحدى الطرق التي قلنا إنها الدالة على وجود الخالق تعالى . [ 194 ] وذلك أنه كما أن الإنسان ، إذا نظر إلى شيء محسوس فرآه قد وضع بشكل ما ، وقدر ما ، ووضع ما ، موافقا في جميع ذلك للمنفعة الموجودة في ذلك الشيء المحسوس ، والغاية المطلوبة ، حتى يعترف أنه لو وجد بغير ذلك الشكل أو بغير ذلك الوضع أو بغير ذلك القدر ، لم توجد فيه تلك المنفعة ، علم على القطع أن لذلك الشيء صانعا صنعه ، ولذلك وافق شكله ووضعه وقدره تلك المنفعة ، وأنه ليس يمكن أن تكون موافقة اجتماع تلك الأشياء لوجود المنفعة بالاتفاق . [ 195 ] مثال ذلك أنه إذا رأى إنسان حجرا موجودا على الأرض ، فوجد شكله بصفة يتأتى منها الجلوس ، ووجد أيضا وضعه كذلك وقدره ، علم أن ذلك الحجر إنما صنعه صانع ، وهو الذي وضعه كذلك وقدّره في ذلك المكان . وأما متى لم يشاهد شيئا من هذه الموافقة للجلوس فإنه يقطع أن وقوعه « 82 » في ذلك المكان ووجوده بصفة ما . هو بالاتفاق ، ومن غير أن يجعله هنالك ( 50 / ظ ) جاعل . « 83 » [ 196 ] كذلك الأمر في العالم كله : فإنه إذا نظر الإنسان إلى ما فيه من الشمس والقمر وسائر الكواكب التي هي سبب الأزمنة الأربعة ، وسبب الليل والنهار ، وسبب الأمطار والمياه والرياح ، وسبب عمارة أجزاء الأرض ، ووجود الناس فيها

--> ( 81 ) . ت : " وإذا " ( 82 ) . س : " على أن وقوعه " . ت ، مل 1 : " ان وقوع " . قا : " يقطع أن وضعه " ( 83 ) . في بقية النسخ " فاعل " .