ابن رشد
163
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
وسائر الحيوانات البرية ، وكذلك الماء موافقا للحيوانات المائية ، والهواء للحيوانات الطائرة ، وأنه لو اختل شيء من هذه الخلقة والبنية ، لاختل وجود المخلوقات التي هاهنا ، علم على القطع أنه ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة ، التي في جميع أجزاء العالم ، للإنسان والحيوان والنبات باتفاق ، بل ذلك من قاصد قصده « 81 » ، ومريد أراده ، وهو اللّه عز وجل ، وعلم على القطع أن العالم مصنوع . وذلك أنه يعلم ضرورة أنه لم يكن « 82 » يمكن أن توجد فيه هذه الموافقة لو كان وجوده عن غير صانع ، بل عن الاتفاق . [ 197 ] فأما أن هذا النوع من الدليل قطعي ، وأنه « 83 » بسيط ، فظاهر من هذا الذي كتبناه . وذلك أن مبناه على أصلين معترف بهما عند الجميع : أحدهما أن العالم بجميع أجزائه يوجد موافقا لوجود الإنسان ، ولوجود جميع الموجودات التي هاهنا . والأصل الثاني أن كل ما يوجد موافقا في جميع أجزائه لفعل واحد ، ومسددا نحو غاية واحدة ، فهو مصنوع ضرورة . فينتج عن هذين الأصلين بالطبع ، أن العالم مصنوع وأن له صانعا . وذلك أن دلالة العناية تدل على الأمرين معا . ولذلك كانت أشرف الدلائل الدالة على وجود الصانع . [ 198 ] وأما أن هذا النوع من الاستدلال هو النوع الموجود في الكتاب العزيز ، فذلك يظهر من غير ما آية من الآيات التي يذكر فيها بدء الخلق . فمنها قوله تعالى : « أَ لَمْ نَجْعَلِ * ( 51 / و ) الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً » إلى قوله « وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً » ( - « وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً . وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً . وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً . وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً . وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً . وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً . وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً . لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً . وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً » النبأ 6 - 16 ) . فإن هذه الآية إذا تؤملت وجد فيها التنبيه على موافقة أجزاء العالم لوجود الإنسان ، وذلك أنه ابتدأ فنبّه على أمر معروف بنفسه ، لنا معشر الناس ، الأبيض والأسود . وهو أن الأرض خلقت بصفة يتأتى لنا المقام عليها ، وأنه لو كانت متحركة ، أو بشكل آخر غير شكلها ، أو في
--> ( 81 ) . ت : " قصد " ( 82 ) . ت ، مل 1 : سقط " يكن " . مل 2 : راجعه فأثبته . ( 83 ) . س : " فإنه " .