ابن رشد
148
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
[ 153 ] والناس في هذه الأشياء في الشرع ، على ثلاث رتب : صنف لا يشعرون بالشكوك العارضة في هذا المعنى ، وخاصة متى تركت هذه الأشياء على ظاهرها في الشرع . وهؤلاء هم الأكثر ، وهم الجمهور . وصنف عرضت لهم في هذه الأشياء شكوك ولم يقدروا على حلها ، وهؤلاء هم فوق العامة ودون العلماء ، وهذا الصنف هم الذين يوجد في حقهم التشابه في الشرع ، وهم الذين ذمهم ( 44 / و ) اللّه تعالى . وأما عند العلماء والجمهور فليس في الشرع تشابه . فعلى هذا المعنى ينبغي أن يفهم التشابه . [ 154 ] ومثال ما عرض لهذا الصنف مع الشرع ، مثال ما يعرض لخبز البرّ ، مثلا - الذي هو الغذاء النافع لأكثر الأبدان - أن يكون لأقل الأبدان ضارا وهو نافع للأكثر . وكذلك التعليم الشرعي هو نافع للأكثر وربما ضر الأقل ولهذا الإشارة بقوله تعالى : « وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ » ( البقرة 26 ) . [ 7 - المتشابه ] [ 155 ] لكن هذا إنما يعرض في آيات الكتاب العزيز في الأقل منها ، والأقل من الناس . وأكثر ذلك هي الآيات التي تتضمن الإعلام عن أشياء في الغائب ليس لها مثال في الشاهد ، فيعبّر عنها بالشاهد الذي هو أقرب الموجودات إليها وأكثرها شبها بها ، فيعرض لبعض الناس أن يأخذ الممثّل به هو المثال نفسه ، فتلزمه الحيرة والشك . وهو الذي يسمى متشابها في الشرع . وهذا ليس يعرض للعلماء ولا للجمهور وهم صنفا الناس بالحقيقة لأن هؤلاء هم الأصحاء ، والغذاء الملائم إنما يوافق أبدان الأصحاء . وأما أولئك فمرضى . والمرضى هم الأقل . ولذلك قال تعالى : « فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ » ( آل عمران 7 ) . وهؤلاء أهل الجدل والكلام . [ 156 ] وأشد ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيرا مما ظنوه ليس على ظاهره . وقالوا إن هذا التأويل هو « 81 » المقصود به ، وإنما أتى اللّه به
--> ( 81 ) س : سقط " هو " . وثبت في الهامش . ( وقد ورد لفظ " ليس " بعد " هو " . وهذا خطأ لا يستقيم معه المعنى . م . ع . ج ) .