ابن رشد
149
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
في صورة المتشابه ابتلاء لعباده واختبارا لهم . ونعوذ باللّه من هذا الظن باللّه . بل نقول إن كتاب اللّه العزيز إنما جاء معجزا من جهة الوضوح والبيان . فإذن : ما أبعد من مقصد الشرع من قال فيما ليس بمتشابه : إنه متشابه . ثم إنه أول ذلك المتشابه بزعمه ، وقال لجميع الناس إن فرضكم هو ( 44 / ظ ) اعتقاد هذا التأويل ، مثل ما قالوه في آية الاستواء على العرش ، وغير ذلك مما قالوا إن ظاهره متشابه . [ 157 ] وبالجملة فأكثر التأويلات التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع ، إذا تؤملت وجدت ليس يقوم عليها برهان ، ولا تفعل فعل الظاهر في قبول الجمهور لها وعملهم عنها . فإن المقصود الأول بالعلم في حق الجمهور إنما هو العمل ، فما كان أنفع في العمل فهو أجدر . وأما المقصود بالعلم في حق العلماء فهو الأمران جميعا ، أعني : العلم والعمل . [ 8 - التأويل . . . مزق الشرع ] [ 158 ] ومثال من أول شيئا من الشرع وزعم أن ما أوله هو ما قصد الشرع ، وصرح بذلك التأويل للجمهور ، مثال من أتى إلى دواء قد ركبه طبيب ماهر ليحفظ صحة جميع الناس أو الأكثر ، فجاء رجل فلم يلائمه ذلك الدواء المركب الأعظم ، لرداءة مزاج كان به ليس يعرض إلا للأقل من الناس ، فزعم أن بعض تلك الأدوية التي صرح باسمه الطبيب الأول في ذلك الدواء ، العام المنفعة ، المركب ، لم يرد به ذلك الدواء الذي جرت العادة في اللسان أن يدل بذلك الاسم عليه . وإنما أريد به دواء آخر مما يمكن أن يدل عليه بذلك باستعارة بعيدة . فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركب الأعظم وجعل فيه بدله الدواء الذي ظن أنه الذي قصده الطبيب . وقال للناس : هذا هو الذي قصده الطبيب الأول . فاستعمل الناس ذلك الدواء المركب على الوجه الذي تأوله عليه هذا المتأول « 81 » ، ففسدت به أمزجة كثير من الناس . فجاء آخرون شعروا بفساد « 82 » أمزجة الناس عن ذلك الدواء المركب ، فراموا إصلاحه بأن أبدلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول ، فعرض من ذلك للناس نوع من المرض غير النوع الأول .
--> ( 81 ) س : سقط من المتن " الأول فاستعمل الناس . . . المتأول " ، وثبت في الهامش . ( 82 ) . س : سقط من المتن " بفساد " ، وثبت في الهامش .