ابن رشد
142
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
جسم واللّه ليس بجسم ، لأن كل جسم محدث ، كما تقول الأشعرية . وكذلك كان يكتفي بذلك موسى عليه السلام عند محاجته لفرعون في دعواه الإلهية . كذلك كان يكتفي صلى اللّه عليه وسلم في أمر الدجال ( 41 / ظ ) في إرشاد المؤمنين إلى كذب ما يدعيه من الربوبية ، من أنه جسم واللّه ليس بجسم . بل قال عليه السلام " إن ربكم ليس بأعور " « 38 » . فاكتفى بالدلالة على كذبه بوجود هذه الصفة الناقصة ، التي ينتفي عند كل أحد وجودها ، ببديهة العقل ، في الباري سبحانه . فهذه كلها كما تراه بدع حادثة في الإسلام ، هي السبب فيما عرض فيه من الفرق ( - الكلامية ) التي أنبأ المصطفى أنه ستفترق أمته إليها . [ 5 - اللّه نور ] [ 138 ] فإن قال قائل : فإذا لم يصرح الشرع للجمهور لا بأنه جسم ، ولا بأنه غير جسم ، فما عسى أن يجابوا به في جواب ما هو ؟ فإن هذا السؤال طبيعي للإنسان ، وليس يقدر أن ينفك عنه . ولذلك ليس يقنع الجمهور أن يقال لهم في موجود وقع الاعتراف به ، إنه لا ماهية له ، لأن ما لا ماهية له لا ذات له . [ 139 ] قلنا : الواجب في ذلك أن يجابوا بجواب الشرع . فيقال لهم : إنه نور . فإنه « 81 » الوصف الذي وصف اللّه به نفسه في كتابه العزيز ، على جهة ما يوصف الشيء بالصفة التي هي ذاته . فقال تعالى : « اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » ( النور 35 ) ، وبهذا الوصف وصفه « 82 » النبي صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الثابت ، فإنه جاء أنه قيل له عليه السلام : هل رأيت ربك ؟ قال : " نور أنّي أراه " . « 39 » وفي حديث الإسراء :
--> ( 38 ) في البخاري : حدّثنا سليمان بن حرب حدّثنا شعبة عن قتادة عن أنس رضي اللّه عنه قال : قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : ما بعث نبيّ إلّا أنذر أمّته الأعور الكذّاب . ألّا إنّه أعور وإنّ ربّكم ليس بأعور ، وإنّ بين عينيه مكتوب كافر فيه . أبو هريرة وابن عبّاس عن النّبيّ ( ص ) . ( 39 ) حديث هل رأيت ربك الخ . . مسلّم : حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدّثنا وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن عبد اللّه بن شقيق عن أبي ذر قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هل رأيت ربّك ؟ قال " نور أنّى أراه " . ( 81 ) . ت : " فان " ( 82 ) . ت : " وصف " .