ابن رشد

132

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

قال تبارك وتعالى : « فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ( 36 / ظ ) . فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى » ( النجم 9 - 10 ) . - " أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ " : هو الكلام الذي يكون بواسطة ألفاظ يخلقها ، في نفس الذي اصطفاه ، بكلامه . وهذا هو كلام حقيقي ، وهو الذي خص اللّه به موسى ، ولذلك قال تعالى : « وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً » ( النساء 164 ) . - وأما قوله : « أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا » ، فهذا هو القسم الثالث ، وهو الذي يكون منه بوساطة « 81 » الملك ( - جبريل ) . - وقد يكون من كلام اللّه ما يلقيه إلى العلماء ، الذين هم ورثة الأنبياء ، بوساطة « 82 » البراهين . وبهذه الجهة صح عند العلماء أن القرآن كلام اللّه . [ 111 ] فقد تبين لك أن القرآن ، الذي هو كلام اللّه ، قديم . وأن اللفظ الدال عليه مخلوق له سبحانه ، لا لبشر . وبهذا باين لفظ القرآن الألفاظ التي ينطق بها في غير القرآن ، أعني : أن هذه الألفاظ هي فعل لنا ، بإذن اللّه ، وألفاظ القرآن هي خلق اللّه . ومن لم يفهم هذا على هذا الوجه لم يفهم هذه الصورة ، ولا فهم « 83 » كيف يقال في القرآن إنه كلام اللّه . [ 112 ] وأما الحروف التي في المصحف فإنما هي من صنعنا ، بإذن اللّه . وإنما وجب لها التعظيم لأنها دالة على اللفظ المخلوق لله وعلى المعنى الذي ليس بمخلوق . ومن نظر إلى اللفظ دون المعنى ، أعني لم يفصّل الأمر ، قال : إن القرآن مخلوق . ومن نظر إلى المعنى الذي يدل عليه اللفظ ، قال : إنه غير مخلوق . والحق هو الجمع بينهما . [ 113 ] والأشعرية قد نفوا أن يكون المتكلم فاعلا للكلام ، لأنهم تخيلوا أنهم إذا سلموا هذا الأصل وجب أن يعترفوا أن اللّه فاعل لكلامه . ولما اعتقدوا أن المتكلم هو الذي يقوم « 84 » الكلام بذاته ، ظنوا أنهم يلزمهم عن هذين الأصلين أن يكون الله فاعلا للكلام بذاته ، فتكون ذاته محلا للحوادث ، فقالوا : المتكلم ( 37 / و ) ليس فاعلا

--> ( 81 ) . ت . مل 1 ، قا : " بواسطة " ( 82 ) . ت ، مل 1 : " بواسطة " ( 83 ) . ت ، مل 1 ، قا : " يفهم " . راجعه مل 2 ( ص 52 . هامش 4 ) فأثبت : فهم . ( 84 ) . س ، ت ، مل 1 : " يقول " .