ابن رشد

131

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

الجمهور ، أعني : الذين بلغوا رتبة الجدل . بل ينبغي أن يقال : إنه مريد لكون الشيء في وقت كونه ، وغير مريد لكونه في غير وقت كونه . كما ( 36 / و ) قال تعالى : « إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » ( النحل 40 ) ، فإنه ليس عند الجمهور ، كما قلنا ، شيء يضطرهم إلى أن يقولوا : إنه مريد للمحدثات « 81 » بإرادة قديمة إلا ما توهمه المتكلمون من [ أن ] الذي تقوم به الحوادث حادث . [ 108 ] فان قيل : فصفة الكلام له ، من أين تثبت له ؟ قلنا : ثبت له « 82 » من قيام صفة العلم به ، وصفة القدرة على الاختراع . فإن الكلام ليس شيئا « 83 » أكثر من أن يفعل « 84 » المتكلم فعلا يدل به المخاطب على العلم الذي في نفسه ، أو يصير المخاطب بحيث ينكشف له ذلك العلم الذي في نفسه « 85 » ( - نفس المتكلم ) . وذلك فعل من جملة أفعال الفاعل . وإذا كان المخلوق ، الذي ليس بفاعل حقيقي ، أعني الإنسان ، يقدر على هذا الفعل من جهة ما هو عالم قادر ، فكم بالحريّ أن يكون ذلك واجبا في الفاعل الحقيقي . [ 109 ] ولهذا الفعل شرط آخر في الشاهد ، وهو أن يكون ( - الكلام ) بواسطة ، وهو اللفظ . وإذا كان هذا هكذا ، وجب أن يكون هذا الفعل من اللّه تعالى ، في نفس من اصطفى من عباده ، بواسطة ما . إلا أنه ليس يجب أن يكون لفظا ، ولا بد ، مخلوقا له . بل قد يكون بواسطة ملك . وقد يكون وحيا أي بغير واسطة لفظ يخلقه ، بل يفعل فعلا في السامع ينكشف له به ذلك « 86 » المعنى . وقد يكون بواسطة لفظ يخلقه اللّه في سمع المختص بكلامه سبحانه . وإلى هذه « 87 » الأطوار الثلاثة الإشارة بقوله تعالى : « وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ » ( الشورى 51 ) . [ 110 ] - فالوحي : هو وقوع ذلك المعنى في نفس الموحى إليه بغير واسطة لفظ يخلقه ، بل بانكشاف ذلك المعنى له بفعل يفعله في نفس المخاطب ، كما

--> ( 81 ) قا : " للحادثات " ( 82 ) . ت : سقط " قلنا ثبت له " . قا : " قلنا ثبتت له " ( 83 ) . س : سقط من المتن " شيئا " ، وثبت في الهامش . ( 84 ) . س : " يعقل " ( 85 ) . ت : سقط " أو يصير المخاطب . . . نفسه " . ( 86 ) : ثبت في المتن " بذلك " ، وصححه الناسخ في الهامش : " به ذلك " . ( 87 ) . س : ثبت " هذا " .