ابن رشد
122
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
[ 82 ] فقد بان من هذه الأدلة أن الدلالة على وجود الصانع منحصرة في هذين الجنسين : دلالة العناية ودلالة الاختراع . وتبين أن هاتين الطريقتين هما بأعيانهما طريقة الخواص ، - وأعني بالخواص : العلماء - وطريقة الجمهور . [ 83 ] وإنما الاختلاف بين المعرفتين في التفصيل . « 81 » أعني : أن الجمهور يقتصرون من معرفة العناية والاختراع على ما هو مدرك بالمعرفة الأولى المبنية على علم الحس ، وأما العلماء فيزيدون على ما يدرك من هذه الأشياء بالحس ما يدرك بالبرهان ، أعني من العناية والاختراع . حتى لقد قال بعض العلماء إن الذي أدركه « 82 » العلماء من معرفة أعضاء الإنسان والحيوان هو قريب من كذا وكذا آلاف منفعة . وإذا كان هذا هكذا فهذه الطريقة هي الطريقة الشرعية والطبيعية ( - العلمية - علم الطبيعة ) ، وهي التي جاءت بها الرسل ونزلت بها الكتب . [ 84 ] والعلماء ليس يفضلون الجمهور في هذين الاستدلالين من قبل الكثرة فقط ، بل ومن قبل ( 32 / ظ ) التعمق في معرفة الشيء الواحد نفسه . فان مثال الجمهور في النظر إلى الموجودات مثالهم في النظر إلى المصنوعات التي ليس عندهم علم بصنعتها ، فإنهم إنما يعرفون من أمرها أنها مصنوعات فقط ، وأن لها صانعا موجودا . ومثال العلماء في ذلك مثال من نظر إلى المصنوعات التي عنده « 83 » علم ببعض صنعتها وبوجه الحكمة فيها . ولا شك أن من حاله من العلم بالمصنوعات هذه الحال فهو أعلم بالصانع ، من جهة ما هو صانع ، من الذي لا يعرف من تلك المصنوعات إلا أنها مصنوعة فقط . [ 85 ] وأما مثال الدهرية ، في هذا ، الذين جحدوا الصانع سبحانه ، فمثال من أحس مصنوعات فلم يعترف أنها مصنوعات بل نسب « 84 » ما رأى فيها من الصنعة إلى الاتفاق ( - المصادفة ) ، والأمر الذي يحدث من ذاته .
--> ( 81 ) مل 2 ( ص 43 هامش 7 ) : عاود النظر في هذه الكلمة فرجح " التفضيل " بدل " التفصيل " . ( 82 ) . ت : " أدرك " ( 83 ) . ت . قا : " عندهم " . ( 84 ) . ت . مل 1 . قا : " ينسب " .