ابن رشد
113
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
[ 52 ] وأما الصانع ، والذي يشارك الصانع في شيء من علم ذلك ، فقد يرى أن الأمر بضد ذلك ، وأنه ليس في المصنوع إلا شيء واجب ضروري ، أو ليكون به المصنوع أتم وأفضل ، إن لم يكن ضروريا فيه ، وهذا هو معنى الصناعة . والظاهر أن المخلوقات ( 28 / و ) شبيهة في هذا المعنى بالمصنوع ، فسبحان الخالق العليم . « 81 » [ 53 ] فهذه المقدمة من جهة أنها خطابية قد تصلح لإقناع الجميع ، ومن جهة أنها كاذبة ومبطلة لحكمة الصانع ، فليست تصلح لهم . [ 54 ] وإنما صارت مبطلة للحكمة لأن الحكمة ليست شيئا أكثر من معرفة أسباب الشيء . « 19 » وإذا لم يكن للشيء أسباب ضرورية تقتضي وجوده على الصفة التي هو بها ذلك النوع موجود ، فليس هاهنا معرفة يختص بها الحكيم الخالق دون غيره . كما أنه لو لم تكن هاهنا أسباب ضرورية في وجود الأمور المصنوعة ، لم تكن هنالك صناعة أصلا ، ولا حكمة تنسب إلى الصانع دون من ليس بصانع . وأي حكمة كانت تكون « 82 » في الإنسان لو كانت جميع أفعاله وأعماله يمكن أن تتأتى بأي عضو اتفق ، أو بغير عضو ؟ حتى يكون الإبصار مثلا يتأتى بالأذن كما يتأتى بالعين ، والشم بالعين كما يتأتى بالأنف ! وهذا كله إبطال للحكمة وإبطال للمعنى الذي سمّى ( - اللّه ) به نفسه حكيما ، تعالى وتقدست أسماؤه عن ذلك . [ 55 ] وقد نجد ابن سينا يذعن لهذه المقدمة بوجه ما ، وذلك أنه يرى أن كل موجود ، ما سوى الفاعل ، فهو ، إذا اعتبر بذاته ، ممكن وجائز ، وأن هذه الجائزات
--> ( 19 ) " الحكمة ليست أكثر من معرفة أسباب الشيء " : قد يبدو هذا التعريف غريبا ، غير أنه يصبح مفهوما تماما إذا نحن استحضرنا معنى الحكمة في الاصطلاح الفقهي : فالحكمة من الصيام مثلا هي الغاية منه ، سببه الغائي ( - مشاركة الفقراء في الإحساس بالجوع مثلا ) . ومعلوم أن السبب الغائي عند أرسطو هو أهم الأسباب الأربعة ( مادة ، صورة ، فاعل ، غاية : الخشب سبب مادي للكرسي ، وشكله كما يتصوره النجار هو سببه الصوري ، أما النجار فهو سببه الفاعل ، والجلوس سببه الغائي ) . وأهم شيء في الكرسي هو أنه للجلوس عليه ، فهو يدين بوجوده ل " الجلوس " عليه ) . وفي الفقرة رقم 76 أسفله يعرف ابن رشد الحكمة بالسبب الغائي فيقول : " معنى الحكمة . . . أعني معرفة السبب الذي من أجله خلق والغاية المقصودة منه " . ( 81 ) . ثبت في بقية النسخ : " الخلاق العظيم " . ( 82 ) . ت : ثبت " واي حكمة تكون " .