ابن رشد
114
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
صنفان : صنف هو جائز باعتبار فاعله ، وصنف هو واجب باعتبار فاعله ممكن باعتبار ذاته . وأن الواجب بجميع الجهات هو الفاعل الأول « 20 » . [ 56 ] وهذا قول في غاية السقوط . وذلك أن الممكن في ذاته وفي جوهره ليس يمكن أن يعود ضروريا من قبل فاعله إلا لو انقلبت طبيعة الممكن إلى طبيعة الضروري . فإن قيل إنما يعني بقوله : " ممكنا باعتبار ذاته " ( 28 / ظ ) أي « 81 » أنه متى توهّم فاعله مرتفعا ، ارتفع هو . قلنا : هذا الارتفاع هو مستحيل . وليس هذا موضع الكلام مع هذا الرجل ، ولكن للحرص على الكلام معه في الأشياء التي اخترعها هذا الرجل استجرنا القول إلى ذكره « 21 » . فلنرجع إلى حيث كنا ، فنقول : [ 57 ] وأما « 82 » القضية الثانية وهي القائلة إن الجائز محدث ، فهي مقدمة غير بينة بنفسها . وقد اختلف فيها العلماء ، فأجاز أفلاطون أن يكون شيء جائز أزليا ، ومنعه أرسطو . وهو مطلب عويص . ولن تبين حقيقته إلا لأهل صناعة البرهان ، وهم العلماء الذين خصهم اللّه تبارك وتعالى « 83 » بعلمه ، وقرن شهادتهم في الكتاب العزيز بشهادته وشهادة ملائكته . « 22 »
--> ( 20 ) اشتهر ابن سينا بكونه أضاف قيمة ثالثة إلى القسمة الثنائية المشهورة منذ أرسطو والتي تصنف الأشياء إلى صنفين : الواجب والممكن . الواجب هو الضروري الوجود ، والممكن هو الجائز الوجود . والقسمة العقلية تقتضي أن الشيء إما أنه ضروري الوجود وإما أنه ممكن الوجود . وبالتالي فالعالم إما واجب ضروري الوجود ومن ثمة فهو قديم ، وإما جائز ممكن الوجود وبالتالي فهو محدث . ولتجاوز هذه الإشكالية الأساسية في علم الكلام ، أعني الحكم على العالم بأنه قديم أو محدث ، لجأ ابن سينا إلى حل تلفيقي فقال : إن العالم ممكن بذاته ولكنه واجب بغيره أي باللّه . وابن رشد لا يقبل هذا التلفيق ، إذ يرى أنه ليس هناك إلا الواجب والممكن ، أما القول ب " الممكن بذاته الواجب بغيره " فقول لا يستقيم إلا إذا فرضنا أن الممكن تغيرت طبيعته فصار واجبا . وهذا مناقض للعقل ، فالممكن طبيعته أنه غير واجب . ( 21 ) هذا يشعر بأن ابن رشد كان يفكر في الرد على ابن سينا . وقد رد عليه فعلا في " تهافت التهافت " وناقش هذه المسألة بتفصيل . ( 22 ) الآية التي يحيل إليها ابن رشد هنا هي قوله تعالى : « شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » ( آل عمران 18 ) . وابن رشد يفهم عبارة " أولي العلم " في الآية فهما متميزا ، إذ يخص بهم العلماء بالطبيعة . وأما قوله : " خصهم اللّه تعالى بعلمه " فلا يعني في سياق كلامه ، هنا وفي مواضع أخرى ، أي تخصيص غير المعرفة العلمية . ( 81 ) . ت : سقط " اي " ( 82 ) . ت ، مل 1 : " فاما " ( 83 ) . ت ، مل 1 : سقط " تبارك وتعالى " .