ابن رشد
109
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
أن يكون ذلك الجسم في مكان ، فيحتاج الجسم إلى جسم ويمر الأمر إلى غير نهاية . وهذه كلها شكوك عويصة . [ 39 ] وأدلّتهم ، « 81 » التي يلتمسون بها بيان إبطال قدم الأعراض ، إنما هي لازمة لمن يقول بقدم ما يحسّ منها حادثا . أعني من يضع أن جميع الأعراض غير حادثة . وذلك أنهم يقولون إن الأعراض التي يظهر للحس أنها حادثة ، إن لم تكن حادثة ، فإما أن تكون منتقلة من محل إلى محل ، وإما أن تكون كامنة في المحل الذي ظهرت فيه قبل أن تظهر . ثم يبطلون هذين ( 26 / و ) القسمين . فيظنون أنهم قد بينوا أن جميع الأعراض حادثة . وإنما بان ، من قولهم . أن ما يظهر من الأعراض حادثا فهو حادث ، لا ما لا يظهر حدوثه ، ولا ما لا يشك في أمره ، مثل الأعراض الموجودة في الأجرام السماوية ، من حركاتها وأشكالها وغير ذلك « 16 » . فتؤول أدلّتهم على حدوث جميع الأعراض إلى قياس الشاهد على الغائب ، وهو دليل خطابي إلا حيث النقلة معقولة بنفسها . وذلك عند التيقن باستواء طبيعة الشاهد والغائب . [ 40 ] وأما المقدمة الثالثة . وهي القائلة إن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ، فهي مقدمة مشتركة الاسم . وذلك أنه يمكن أن تفهم على معنيين ، أحدهما : ما لا يخلو من جنس الحوادث ويخلو من آحادها . والمعنى الثاني : ما لا يخلو من واحد منها مخصوص مشار إليه ، كأنك قلت : ما لا يخلو عن هذا السواد المشار إليه . [ 41 ] فأما هذا المفهوم الثاني فهو صادق . أعني : ما لا يخلو عن عرض ما مشار إليه ، وذلك العرض حادث ، أنه يجب ضرورة أن يكون الموضوع ( - الحامل )
--> - الغرفة ( الغرفة خلاء فيه كرسي ) فيجب أن يكون هناك خلاء آخر تكون فيه الغرفة ، ويمر الأمر إلى غير نهاية . أما إذا قلنا إن العالم ليس في خلاء ، أي ليس ثمة خلاء قط ، وأن مكان العالم هو سطحه المحيط به كما تحيط قشرة البصلة بجسمها ، فيجب أن يكون هناك جسم آخر ، قشرة أخرى من البصلة وراء الأولى ، لأنه ليس هناك خلاء ، كما فرضنا . وإذن ففي جميع الأحوال هناك شيء " قبل " ، شيء " سابق على " ، سواء فرضناه خلاء أو غير خلاء . ( 16 ) يقيسون الأجرام السماوية على ما يشاهد في الأرض ، وهذا لا يصح ، لأن القياس إنما يكون معقولا إذا كان بين شيئين من طبيعة واحدة . هذا في حين أن الأرض مركبة من العناصر الأربعة ( الماء والنار والتراب والهواء ) . أما السماء فمن عنصر خامس هو الأثير ، وهو من طبيعة مختلفة . ( 81 ) . ت : " وأدلهم " .