مختار بن محمود العجالي ( تقي الدين النجراني )
399
الكامل في الاستقصاء فيما بلغنا من كلام القدماء
أنها لم تقارنه . فإذا صح ذلك من أصولهم لم يصح قولهم بخلق الفناد مع استحالة مقارنة المنفعة به . وأما المعارضة بما ذهبنا إليه من الفناء فالجواب عنه من وجهين أحدهما : أنه يمكن فيما ذهبنا إليه أن يحصل به إما منفعة الاعتبار أو منفعة اللذة . فإن تفريق أجزاء الحي إذا كانت مع الشهوة كان لذيذا فيجوز أن يكون موت أجزاء الأحياء كذلك ، ويجوز أيضا أن يكون ألما فيكون عقابا دنيويا . والثاني : إنما يمنع وجوب مقارنة المنفعة على ما اشترطتموه أنتم فيكون هذا الكلام لازما لكم . فهذا هو الكلام من حيث العقل ، وأما من حيث السمع فنصوص في القرآن كثيرة منها قوله تعالى في قصة إبراهيم : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى » « 1 » فإبراهيم عليه السلام سأله عن كيفية إحياء الموتى . ثم أنه تعالى أراه الجمع بعد التفريق والإحياء بعده ، وإذا أراه ذلك جوابا لسؤاله صح أنه يكون التفريق دون الفناء لوجهين ، أحدهما : أنه لو أفني لما صح فيه الجمع إلا على تقدير أن يخلق أجزاءهم متفرقة ثم يجمعها ، وذلك باطل ، ولما ثبت الجمع في كيفية الإحياء ثبت أنه لا يفني على معنى الإعدام . والثاني : أنه عليه السلام سأله عن جميع مقدمات الإحياء فلو كان الله تعالى يعدمها ثم يخلقها أحياء لأراه ذلك . وفي القرآن آيات كثيرة تدل على ما ذهبنا إليه « 2 » ، منها أنه تعالى بعد أن بيّن أن بدأ الخلق جمع بعد التفريق كما في قوله : « خَلَقَكُمْ « 3 » مِنْ تُرابٍ » « 4 » وقوله : « وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ » « 5 » . وقوله : « أَ وَلَمْ يَرَوْا « 6 » كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ » « 7 » . وقوله : « قُلْ « 8 » سِيرُوا فِي الْأَرْضِ
--> ( 1 ) سورة البقرة ( 2 ) آية : 260 . ( 2 ) مضافة بالهامش . ( 3 ) في الأصل : « خلقتكم » . ( 4 ) سورة فاطر ( 35 ) آية : 11 . ( 5 ) سورة السجدة ( 32 ) ، آية : 7 . ( 6 ) في الأصل : « تروا » . ( 7 ) سورة العنكبوت ( 29 ) ، آية : 19 . ( 8 ) في الأصل : « أو لم تسيروا » .