فخر الدين الرازي

95

القضاء والقدر

الفصل الثالث في الدلائل الدالّة على أن حصول الإيمان والكفر في قلوب العباد لا يمكن أن يكون الا بتخليق الله تعالى البرهان الأول إنه لا يكن أن يكون كل علم مكتسبا من علم آخر قبله وإلا لزم إما التسلسل ، وإما الدور . بل لا بد وأن تنتهي هذه المكتسبات إلى علوم حاصلة في العقل ، لا على سبيل الاكتساب ، وهي البديهيات . إذا عرفت هذا فنقول : كل ما لا بد منه في كون تلك البديهيات مستلزمة لهذه الكسبيات . إما أن يكون حاصلا ، وإما أن لا يكون . فإن كان الأول وجب كون هذه المكتسبات حاصلة عند حصول تلك البديهيات . لأن المؤثر ، إذا كان مستجمعا لجميع الجهات المعتبرة في المؤثرية ، فإنه يمتنع تخلف الأثر عنه فإذا كانت تلك البديهيات غير مقدورة البتة ، وكان استلزامها لهذه النظريات استلزاما ضروريا ، غير داخل تحت الاختيار . وجب القطع بأن هذه النتائج غير داخلة تحت القدرة والاختيار . وأما إن قلنا : إن تلك البديهيات غير مستجمعة لجميع الجهات المعتبرة في استلزام هذه النظريات ، فحينئذ لا بد من ضم أمور أخرى إليها . وتلك الأمور . إما أن تكون من العلوم البديهية ، أو من العلوم الكسبية . والأول باطل لأنا فرضنا حصول جميع العلوم البديهية . والثاني أيضا باطل . لأن كلامنا في كيفية استلزام البديهيات لأول المكتسبات . وعلى هذا التقدير ، يلزم أن يحصل قبل أول المكتسبات : مكتسب آخر . وذلك محال . لأن الذي يكون موصوفا بأنه أول المكتسبات ، يمتنع أن يحصل قبله مكتسب آخر . فثبت بما ذكرنا : أن البديهيات غير داخلة تحت القدرة . وثبت : أن استلزامها للمكتسب الأول غير داخل تحت الوسع . واستلزام المكتسب الأول للمكتسب الثاني ، غير داخل أيضا تحت القدرة . وهلم جرا . في جميع المراتب . بالغة ما بلغت . فثبت : أن شيئا من العلوم والمعارف غير واقع بقدرة العبد واختياره . وهو المطلوب