فخر الدين الرازي

96

القضاء والقدر

البرهان الثاني على هذا المطلوب إن العلم إما تصور ، وإما تصديق « 1 » . وذلك لأنا إذا أدركنا أمرا من الأمور ، فإما أن نحكم عليه بحكم وإما أن لا نحكم عليه بحكم . فإن لم نحكم عليه بحكم ، فذاك هو التصور ، وإن حكمنا عليه بحكم ، فذاك هو التصديق . إذا عرفت هذا الحصر . فنقول : إنه لا يمكن اكتساب شيء من التصورات « 2 » . ويدل عليه وجوه : الأول : إنا إذا حاولنا اكتساب شيء آخر من التصورات فحال ما نحاول ذلك الاكتساب ، إما أن يكون لنا شعور بماهية ذلك المطلوب ، أو لا يكون لنا به شعور ، فإن كان لنا به شعور فحينئذ يكون تصوره حاضرا عندنا . والحاصل لا يمكن تحصيله . وإن لم يكن لنا به شعور ، كان الذهن غافلا عنه . والغافل عن الشيء يمتنع أن يكون طالبا له . فإن قالوا : لم لا يجوز أن يكون ذلك الأمر ، مشعورا به من وجه دون وجه ، فلأجل أنه

--> ( 1 ) يقول الرازي في « محصل أفكار المتقدمين » إذا أدركنا حقيقة فإما أن نعتبرها من حيث هي هي من غير حكم عليها لا بالنفي ولا بالإثبات وهو التصور أو نحكم عليها بنفي أو إثبات وهو التصديق » ( ص 25 وانظر المباحث المشرقية 1 / 11 ؛ ومعالم أصول الدين 21 ) . وهكذا فالتصديق عند الرازي إدراك الماهية مع الحكم عليها - بنفي أو إثبات - أما الغزالي فيرى أن التصور هو العلم بذوات الأشياء كعلمك بالإنسان والشجر والسماء وأن التصديق هو العلم بنسبة هذه الذوات المتصورة بعضها إلى بعض إما بالسلب أو الإيجاب كقولك الإنسان حيوان أو الإنسان ليس بحجر » ( معيار العلم ص 67 ومقدمة كتاب المستصفى من علم الأصول 1 / 11 ، ومقاصد الفلاسفة ص 33 ) . ( 2 ) هذا هو رأي الرازي في « المحصل » إذ يقول : « وعندي أن شيئا منها غير مكتسب ويسوق دليلين من التي ذكرها الرازي في « المطالب العالية » . أما التصديقات فيذكر الرازي افتراق العالم فرقا أربعا قال : « وهي ليست بأسرها بديهية وهو بديهي ولا نظرية وإلا لزم الدور أو التسلسل ، وهما محالان ، بل لا بد من الانتهاء إلى ما يكون غنيا عن الاكتساب وما هو إلا الحسيات كالعلم بأن الشمس مضيئة والنار حارة ، أو الوجدانيات كعلم كل واحد بجوعه وشبعه وهي قليلة جدا لأنها غير مشتركة ، أو البديهات كالعلم بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان وفي هذا الموقف صار أهل العالم فرقا أربعا . الفرقة الأولى : المعترفون بالحسيات والبديهيات وهم الأكثرون . . . الفرقة الثانية : القادحون في الحسيات فقط فزعم أفلاطون وأرسطاطاليس وبطليموس وجالينوس أن اليقينيات هي المعقولات لا المحسوسات . . . الفرقة الثالثة : الذين يعترفون بالحسيات ويقدحون في البديهيات . الفرقة الرابعة : السوفسطائية ( 25 - 55 ) . ويقول في موضع آخر : « العلوم كلها ضرورية لأنها إما ضرورية ابتداء أو لازمة عنها لزوما ضروريا » ( ص 148 ) . أما في « معالم أصول الدين » فيقول : « كل واحد من التصور والتصديق قد يكون بديهيا وقد يكون كسبيا » ويقول : « لا بد من الاعتراف بوجود تصورات وتصديقات بديهية » ( ص 21 - 22 ) . وفي « التفسير الكبير » يذكر الرازي أن « التصديقات بأسرها غير كسبية » ( 2 / 165 ) ويقول في « الأربعين في أصول الدين » : « إن شيئا من التصورات غير مكتسب فشئ من التصديقات البديهية غير مكتسب » ( ص 235 ) ( عن فخر الدين الرازي ص 495 ) . وقد سبق الرازي إلى هذا القول جماعة مثل : صالح والجاحظ وثمامة بن الأشرس وبعض الروافض ( راجع أصول الدين للبغدادي ص 31 ، والتبصير 74 و 75 ، والملل والنحل 1 / 71 و 75 ، واعتقادات الرازي ص 44 ) .