فخر الدين الرازي
87
القضاء والقدر
غير عالم بتلك التفاصيل ، فوجب أن لا يكون موجدا لها . وباللّه التوفيق البرهان الخامس اعلم : أنا نبين أن العبد غافل عن أحوال فعل نفسه ، وعن أحوال فاعليته لها ، من وجوه كثيرة . ثم نبين : أنه متى كان الأمر كذلك ، امتنع كونه موجدا لتلك الأفعال . وهذا البرهان هو عين ما تقدم . إلا أن الوجوه المذكورة هاهنا ، مغايرة للوجوه المذكورة في تقرير البرهان المتقدم . فنقول : الذي يدل على كون العبد غافلا عن أحوال فعله ، وعن أحوال فاعليته ، وجوه : الأول : إن الناس تحيروا « 1 » في أن القادر على الإيجاد ، أيقدر عليه حال وجود الأثر ، أو قبله ؟ فقال بعضهم : إنما يقدر عليه حال وجوده . لأنه قبل وجوده مستمر على عدمه الأصلي ، فلم يكن لقدرته فيه أثر ، فيمتنع كونه قادرا عليه . لأنه لما كان في إحدى الحالتين قادرا عليه ، وفي الحالة الثانية لا قدرة له عليه ، والتخيير بين الحال التي فيها يقدر على الفعل ، وبين الحال التي لا يقدر فيها على الفعل ، يجب أن يكون مدركا . لأن التمييز بين حال الاقتدار ، وبين حال عدم الاقتدار : تمييز معلوم بالضرورة . فكان يجب أن لا يحصل هذا الالتباس . وحيث حصل : علمنا . أن العبد لا قدرة له على الإيجاد . وثانيها : إن الناس تحيروا في أن من أوجد شيئا . فتأثير إيجاده . أيحصل في نفس الماهية ، أو في الوجود ، أو فيهما ؟ ولو كان هذا الإيجاد واقعا به ، لعلم بالضرورة : أن الذي أوجده وأوقعه : ما ذا ؟ . وثالثها : إن الناس تحيروا في أن المؤثرية . هل هي نفس الأثر ؟ منهم من قال : غيرها . لأن المؤثر موصوف بالمؤثرية ، وغير موصوف بالأثر . فأحدهما مغاير للآخر . ومنهم من قال : بل المؤثرية نفس الأثر . إذا لو كان مغايرا له ، لكان اقتضاء ذات المؤثر لتلك المؤثرية زائدا عليه . ولزم التسلسل . ورابعها : إن الناس تحيروا « 2 » في أن محل العلم . أهو القلب ، أو الدماغ ، أو شيء آخر
--> ( 1 ) راجع في مسألة القدرة مع وجود الفعل أو قبله : مجرد مقالات أبي الحسين الأشعري لابن فورك 108 - 109 ؛ الإرشاد للجويني 197 ؛ الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي 60 - 61 ؛ والتوحيد للماتريدي 256 - 257 ؛ المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى 142 - 143 ؛ الفصل في الملل والأهواء لابن حزم 3 / 37 - 62 ؛ المواقف للعضد الإيجي 151 - 152 ؛ مذاهب الإسلاميين للدكتور بدوي 1 / 561 - 563 ؛ في علم الكلام للدكتور أحمد صبحي 2 / 80 - 81 ، القضاء والقدر في الإسلام للدكتور فاروق الدسوقي 2 / 202 و 331 وقد عالج الرازي هذه المسألة في كتبه المختلفة : أنظر المباحث المشرقية 1 / 382 ، محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين 152 - 153 ومعالم أصول الدين 89 . ( 2 ) يقول الرازي رحمه اللّه عز وجل في « المطالب العالية » في الفصل الرابع من المقالة الثالثة « في بيان أن المتعلق الأول للنفس هو القلب وأن العضو الرئيسي المطلق هو القلب . مذهب جمهور المحققين من الأنبياء والأولياء والحكماء أن .