فخر الدين الرازي

88

القضاء والقدر

سواهما - هو النفس الناطقة ؟ - وبتقدير أن كون محل العلم هو القلب أو الدماغ . فهو جميع أجزائها ، أو بعض أجزائها . ولو كان موجد العلم هو العبد ، لوجب أن يعلم أنه في أي موضع أوجده ؟ وفي أي محل أحدثه ؟ ولو كان الأمر كذلك ، لما بقي ذلك الاشتباه . وحيث بقي ، علمنا : أن حصول هذه العلوم ليس بإيجاده . فظهر : أن اختلاف الناس في هذه المطالب ، يدل على أن عقول أكثر الخلق قاصرة عن حضور ماهية الإيجاد والتكوين . وإذا كان كذلك ، فكيف يدّعى أن جميع الحيوانات ، حتى البهائم والحشرات تقصد إلى الإيجاد والتكوين والإنشاء مع أن حقيقة الإيجاد والتكوين غير متصورة البتة عندهم ، فإن من المعلوم بالضرورة : أن القصد إلى تحصيل الشيء ، لا يمكن إلا عند حصول تصوره في الذهن . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إن حقيقة الإيجاد والتكوين متصورة من بعض الوجوه ، عند البهائم والحشرات . وإن كان كمال تصور هذه الماهية غير حاصل عندهم . وإذا كان كذلك ، كفى ذلك القدر من التصور ، في إمكان قصد هذه الحيوانات ، إلى الإيجاد والتكوين ؟ . والجواب : إن ماهية الإيجاد والتكوين غير متصورة عند الأكثرين من البشر ، والأكثرين من البهائم والحشرات . وإذا كانت هذه الماهية غير متصورة عندها ، استحال منها أن تقصد إليها وإلى تحصيلها . لأن القصد إلى تحصيل الشيء مشروط بتصوره وحصول الشعور بماهيته . وباللّه التوفيق البرهان السادس أن نقول : العبد لو صح منه إيجاد بعض الممكنات ، لصح منه إيجاد كلها . واللازم محال ، فالملزوم محال . وبيان الملازمة من وجوه : الأول : إن العبد لو قدر على إيجاد بعض الممكنات ، لكان كون ذلك البعض مقدورا . إنما كان : لكونه ممكن الوجود . فإنا لو رفعنا الإمكان ، بقي إما الوجوب ، وإما الامتناع . وهما

--> القلب هو العضو الرئيسي المطلق لسائر الأعضاء وأن النفس متعلقة به أولا وبواسطة ذلك التعلق تصير متعلقة بسائر الأعضاء . وهذا هو مذهب أرسطاطاليس وأتباعه من القدماء والمتأخرين . ومذهب جالينوس وأتباعه من الأطباء أن الإنسان عبارة عن مجموع نفوس ثلاثة : النفس الشهوانية وتعلقها الأول بالكبد ، والنفس الغضبية وتعلقها الأول بالقلب ، والنفس النطقية الحكيمة وتعلقها الأول بالدماغ . وهذه الأعضاء الثلاثة كل واحد منها مستقل بنفسه منفرد بخواصه وأفعاله . والمختار أن هذا باطل والحق هو القول الأول . . . » ( 7 / 163 . . . ) وهو في التفسير الكبير يؤيد هذا الرأي ويجيب عن سؤال « هل تدل الآية ( فتكون لهم قلوب يعقلون بها ) على أن العقل هو العلم وعلى أن محل العلم هو القلب ؟ فيقول : الجواب : نعم لأن المقصود من قوله ( قلوب يعقلون بها ) العلم وقوله ( يعقلون بها ) كالدلالة على أن القلب آلة لهذا التعقل فوجب جعل القلب محلا للتعقل » ( 23 / 45 ) ويتابع في عدة مواضع منه الرأي نفسه ( 24 / 166 - 167 ) وكذا في لوامع البينات في شرح أسماء اللّه والصفات ( ص 53 ) . ويرى في كتاب الفراسة أن مقر الفهم والعقل والحفظ والذكر جميعا هو الدماغ ( ص 59 عن الرازي وآراؤه الكلامية ص 493 ) .