فخر الدين الرازي
83
القضاء والقدر
حصول مراد الثاني . فلو امتنع المرادان معا ، لوجب أن يحصلا معا ، حتى يصير حصول مراد كل واحد منهما ، مانعا للآخر عن حصول مراده . فثبت : أنه لو امتنع المرادان معا ، فيعود هذا القسم إلى القسم الأول ، وإنه باطل . وإنما قلنا : إنه يمتنع حصول أحد المرادين دون الثاني ، لأن كل واحد من هذين القادرين مستقل بالإيجاد . وقد دللنا على أنه يمكن أن يقال : إن إحدى القدرتين مستقل بالإيجاد . وقد دللنا على أنه يمكن أن يقال : إن إحدى القدرتين أقوى من الأخرى . لأنا بينا : أن ذلك المقدور شيء واحد ، لا يقبل التّجزؤ والتبعض . ولا يقبل الأشد والأضعف . وإذا كان المقدور غير قابل للتفاوت ، امتنع أن يكون الاقتدار عليه قابلا للتفاوت . فثبت : أن كل واحدة من هاتين القدرتين ، مساوية للأخرى في القوة والشدة . وإذا ثبت هذا فنقول : لو كان مقدور إحدى القدرتين أولى بالوقوع ، لكان هذا رجحانا لأحد طرفي الممكن على الآخر من غير مرجح . وهو محال . فثبت : أن القول بإثبات موجد ما سوى اللّه تعالى ، يفضي إلى هذه الأقسام الباطلة ، فكان القول به باطلا . واعلم : أن هذا الدليل ، هو الدليل المشهور ، المذكور في إثبات أن إله العالم واحد « 1 » . وباللّه التوفيق البرهان الرابع لو كان العبد موجدا لأفعال نفسه ، لكان عالما بتفاصيل أفعال نفسه . وهو غير عالم بتفاصيل أفعال نفسه ، فوجب أن لا يكون موجدا لأفعال نفسه . فنفتقر هاهنا إلى إثبات مقدمتين : أما المقدمة الأولى : وهي قولنا : لو كان موجدا لأفعال نفسه ، لكان عالما بتفاصيل نفسه وهو غير عالم بتفاصيل نفسه ، فوجب أن لا يكون موجدا لأفعال نفسه فيدل عليه القرآن والبرهان . أما القرآن : فهو قوله : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ « 2 » ؟ استكبر أن يكون الخالق للشيء ، غير عالم به .
--> ( 1 ) هو الدليل المسمى عند المتكلمين ب « دليل التمانع » . وانظر تفصيلاته في : التوحيد للماتريدي ص 20 ؛ الإرشاد للجويني 70 ؛ الأنصاف للقاضي الباقلاني ص 49 ؛ الشامل للجويني 352 ؛ الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي 49 ؛ المعتمد لأبي يعلى الحنبلي 41 ؛ أصول الدين للبغدادي 85 ؛ معالم أصول الدين للرازي ص 79 ؛ محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين له 279 ؛ المواقف للعضد الإيجي ص 278 ؛ الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 1 / 105 ، الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد ( ضمن فلسفة ابن رشد ) ص 67 ؛ شرح العقيدة الطحاوية ص 81 ؛ موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين لشيخ الإسلام مصطفى صبري 3 / 83 - 84 . ( 2 ) سورة الملك الآية 14 ؛ ويذكر الفخر الرازي وجوها ثلاثة لتفسير « من » : أحدها أن تكون في محل الرفع والمنصوب يكون مضمرا والتقدير : ألا يعلم من خلق مخلوقه ، وثانيها : أن تكون في محل النصب ويكون المرفوع مضمرا والتقدير ألا يعلم اللّه من خلق ، وثالثها أن تكون « من » في تقدير « ما » وتكون إشارة إلى ما يسرّه الخلق وما يجهرونه ويضمرونه . . -