فخر الدين الرازي
84
القضاء والقدر
وأما البرهان : فهو إن العبد يمكنه أن يأتي بالأزيد مما أتى به ، وبالأنقص عما أتى به ، وبفعل آخر مغاير لما أتى به . فلما كان قادرا على الكل ، كان رجحان بعض هذه الممكنات على البعض ، لا بد أن يكون لأجل أن القادر المختار : خصص ذلك النوع ، وذلك المقدار بالوقوع . دون المغاير ، ودون الأزيد والأنقص . لكن القصد إلى إيقاع الشيء بقدر خاص ، وكيفية خاص ، مشروط بالعلم بذلك القدر . لأن القصد إلى الشيء ، بدون الشعور بماهيته : محال . فثبت : أن خالق الشيء لا بد وأن يكون قاصدا إليه ، وثبت : أن القاصد إلى الشيء عالم بماهية ذلك الشيء ، الذي قصد إليه . وذلك يدل : على أن خالق الشيء ، لا بد وأن يكون عالما به . وأما المقدمة الثانية : وهي قولنا : إن العبد غير عالم بتفاصيل أفعال نفسه . فيدل عليه وجوه : الأول : إن النائم والساهي قد يصدر عنهم كثير من الأفعال الاختيارية ، مع أنه لا شعور لهم بتفاصيل تلك الأفعال لا بكميتها ولا بكيفيتها . الثاني : إن الإنسان إذا حرك بدنه وجثته ، فلا شك أن بدنه مؤلف من أجزاء كثيرة موجودة بالفعل . أما عند من يثبت الجوهر الفرد « 1 » ، فلا شك فيه . وأما عند من ينكره ، فلا شك أنه معترف بأن مجموع البدن ، مؤلف من الأعضاء البسيطة - أعني العظام والغضاريف والأعصاب
--> - وهذا يقتضي أن تكون أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى ويسترسل الرازي في استنباط الدلالة من الآية على ذلك ( التفسير الكبير 30 / 67 - 68 ) وانظر ( التبيان في إعراب القرآن للعكبري 2 / 1232 ) . ( 1 ) « الجوهر الفرد أو الجزء الذي لا يتجزأ ، جوهر ذو وضع لا يقبل القسمة أصلا لا قطعا ولا كسرا ولا وهما ولا فرضا . وتتألف الأجسام من آحاده بانضمام بعضها إلى بعض » ( التعريفات للجرجاني ص 103 ؛ والكليات لأبي البقاء 2 / 160 - 162 والمعجم الفلسفي 1 / 400 و 588 ) ؛ ويعرفه الآمدي بأنه « عبارة عن جوهر لا يقبل التجزؤ لا بالفعل ولا بالقوة » ( المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين لسيف الدين الآمدي ضمن « المصطلح الفلسفي عند العرب للدكتور عبد الأمير الأعسم ص 370 ) ويعود القول بالجزء الذي لا يتجزأ أو الجوهر الفرد إلى ديمقريطس ولو قبس وأبيقورس ولوكرس وأول من أخذ بنظرية الذرة من المسلمين شيخ الاعتزال أبو الهذيل العلاف . ثم انتقلت إلى مباحث المتكلمين المسلمين من أشاعرة وماتريدية ومعتزلة لاتصال المسألة عندهم بمسائل عقائدية هامة كوجود اللّه وعلمه وقدرته والمعاد . ولكن بعض العلماء رفضوا هذا المبدأ من أمثال : هشام بن الحكم والنظام وابن حزم وابن تيمية وابن القيم وغيرهم . وقد وقف الرازي حيال هذه المسألة مواقف مختلفة يجعلها الدكتور محمد صالح الزركان ثلاثة : فمرة أنكر الجوهر الفرد في « المباحث المشرقية » وفي « شرح الإشارات » لابن سينا ، ومرة ثانية توقف الرازي في « الملخص » و « نهاية العقول » ورأى أن أدلة الطرفين لا تخلو من قوة . وكان يقول إنه ليس أول من توقف في هذه المعضلة بل سبقه إليها إمام الحرمين وأبو الحسين البصري . ومرة ثالثة وقف فيه مع القائلين بإثبات الجوهر الفرد وذلك في كتاب من أقدم كتبه وهو « الإشارة » وفي « الأربعين في أصول الدين » و « المحصل » و « التفسير الكبير » و « المعالم في أصول الدين » ودافع عنه في « المطالب العالية » ( الرازي وآراؤه الكلامية والفلسفية ص 419 - 437 ) . وانظر كتب الرازي : معالم أصول الدين ص 35 ؛ محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين 164 - 168 ؛ المطالب العالية الجزء السابع ( وقد خصصه لبحث أدلة الطرفين ) المباحث المشرقية 2 / 38 .