فخر الدين الرازي
309
القضاء والقدر
أعلم : أن مذهبنا ذلك . وأما المعتزلة فإنهم ينكرون أشد الإنكار . ويدل على صحة قولنا : المعقول والمنقول . أما المعقول فوجوه : البرهان الأول : وهو أن الكافر المقدم على الكفر إن لم يكن متمكنا من الإيمان فقد حصل المطلوب ، وإن كان متمكنا منه كانت قدرته بالنسبة إلى الضدين على السوية . فإقدامه على الكفر دون الإيمان - مع أن ضده كان ممكنا - إما أن يستغني عن المرجح أو يفتقر إليه . فإن كان الأول لزم استغناء الممكن عن المرجح . وهو محال . وإن كان الثاني فذلك المرجح ، إن كان من العبد عاد التقسيم فيه ، وإن كان من اللّه تعالى ، فهو المطلوب . لأنه ظهر أن الكافر ما أقدم على الكفر إلا لأجل أن اللّه تعالى قوى تلك الداعية في قلبه ، وقد دللنا على أنه متى حصلت الداعية المرجحة ، فإنه لا بد من الوجوب وهذا برهان قاطع لا محيص عنه . البرهان الثاني : إن العبد قصد الحق والإيمان . فلما حصل الباطل والكفر . علمنا : أن ذلك ليس منه بل من اللّه . البرهان الثالث : العبد ما لم يعرف أن هذا الاعتقاد علم لا جهل ، يمكنه أن يقصد إلى إيجاد العلم بدلا عن الجهل ، وإنما يعلم كون هذا الاعتقاد علما ، إذا علم أنه مطابق للمعلوم . وإنما يعلم ذلك إذا علم حال المعلوم . وإلا فيلزم أن تكون قدرته على تحصيل العلم بالشيء مشروط بحصول العلم بذلك الشيء . وإنه محال . وهذه الدلائل قد بيناها في الباب الأول من هذا الكتاب . فلا فائدة في الإعادة . أما الدلائل السمعية : فاعلم : أنه تعالى ذكر أنواعا من الموانع في كتابه . ونحن نكتفي بإيراد نوع من هذه الموانع . وهو أنه تعالى قد يضل بعض المكلفين . بيان أنه تعالى قد يضل بعض المكلفين ويدل عليه آيات : الحجة الأولى : قوله تعالى يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ واعلم : أن هذه الآية