فخر الدين الرازي
310
القضاء والقدر
وردت في القرآن الكريم في خمس مواضع . أحدها : في سورة إبراهيم قال تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ ، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ . فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ ، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ « 1 » وثانيها : في سورة الرعد وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ . قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ « 2 » وثالثها : في سورة النحل وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً . وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ « 3 » ورابعها : في سورة الملائكة أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ، فَرَآهُ حَسَناً ؟ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ « 4 » وخامسها : في سورة المدثر ، وذلك أنه تعالى قدم بيان امتحان الفريقين بعدة ملائكة النار ، ثم قال : كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ « 5 » فإن قيل : دلت الدلائل على أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآيات خلق الكفر والضلال ، وإذا كان كذلك ، وجب المصير إلى التأويل . أما بيان المقام الأول ؛ فمن وجوه : الأول : إنا سنذكر الدلائل العقلية والنقلية على أنه لا يجوز من اللّه تعالى أن يخلق الكفر والجهل في المكلف . الثاني : إن تفسير الإضلال بخلق الجهل غير جائز بحسب اللغة . أما أولا : فلأن من منع غيره من سلوك طريق كرها وجبرا ، فإنه لا يقال في اللغة الصحيحة : إنه أضله عن الطريق ، بل يقال : إنه منعه وصرف عنه ، وإنما يقال : أضله عن الطريق إذا لم يرد عليه وارد من الشبه ، ما لأجله التبس عليه الصواب . وأما ثانيها : فلأنه تعالى وصف إبليس وفرعون بكون كل واحد منهما مضلا . قال تعالى حكاية عن إبليس : وَلَأُضِلَّنَّهُمْ « 6 » وقال تعالى : وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ « 7 » ثم إنا توافقنا على أنهما ما كانا خالقين للضلال في قلوب من أتبعهما . أما عند الجبرية فلأن العبد لا يقدر على الإيجاد ، وأما عند القدرية فلأن العبد لا يقدر على هذا النوع من الإيجاد . ولما حصل اسم الضلال في هذه السورة ، مع أنه لم يحصل فيها خلق الجهل والضلال ، علمنا : أن الإضلال غير موضوع في اللغة لخلق الضلال . وأما ثالثها : فلأن الإضلال في مقابلة الهداية ، فكما صح أن يقال : هديته فما اهتدى ، وجب صحة أن يقال : أضللته فما ضل . وإذا كان كذلك ، امتنع حمل لفظ الإضلال على خلق الإضلال . الوجه الثالث في بيان أن لفظ الإضلال في هذه الآيات لا يمكن حمله على خلق الضلال .
--> ( 1 ) سورة إبراهيم الآية 4 . ( 2 ) سورة الرعد الآية 27 . ( 3 ) سورة النحل الآية 93 . ( 4 ) سورة فاطر الآية 8 . ( 5 ) سورة المدثر الآية 31 . ( 6 ) سورة النساء الآية 119 . ( 7 ) سورة طه الآية 79 .