فخر الدين الرازي

297

القضاء والقدر

والاستدلال به : إن الكفار والفساق أكثر من أهل الثواب ، فلو كان الكفر والفسق إنما يحصلان بخلق اللّه ، لكانت رحمته مقلوبة وغضبه غالبا ، وذلك يناقض ظاهر الحديث . الحجة الخامسة عشر : ما رواه أبو ذر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه عز وجل - « إني حرمت الظلم على نفسي ، وحرمته على عبادي فلا تظالموا . يا عبادي إنكم الذين تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا . ولا أبالي . فاستغفروني أغفر لكم . يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم . يا عبادي كلكم عاري إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم . يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد لم يزد ذلك شيئا . يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد . فسألوني فأعطيت كل إنسان منه ما يسألني ، لم ينقص ذلك من ملكي شيئا . إلا كما ينقص البحر أن يغمس فيه المخيط ، يا عبادي هذه أعمالكم أحفظها عليكم . فمن وجد خيرا فليحمد اللّه ، ومن وجد غير ذلك ، فلا يلومن إلا نفسه » « 1 » . قالت المعتزلة : هذا الخبر يؤكد مذهبنا من وجوه : الأول : إنه تعالى قال : « إني حرّمت الظلم على نفسي » وهذا يدل على أنه تعالى قادر على الظلم . إذ لو لم يقدر على الظلم ، لما قال : « إني حرمته على نفسي » لأنه يجري مجرى ما إذا قال : إني حرمت على نفسي أن أجمع بين النقيضين ، ومعلوم أنه ركيك « 2 » .

--> ( 1 ) حديث « إني حرمت الظلم على نفسي » حديث قدسي رواه مسلم في البر والصلة باب تحريم الظلم ( 4 / 1994 رقم 2577 ) . والترمذي في صفة القيامة ( 4 / 656 رقم 2495 ) . وابن ماجة في الزهد ( 2 / 1422 رقم 4257 ) وأحمد ( 5 / 154 و 160 و 177 ) عن أبي ذر رضي اللّه عنه . ( 2 ) قال الإمام الأشعري في « مقالات الإسلاميين » : واختلفت المعتزلة في البارئ سبحانه هل يوصف بالقدرة على الجور والظلم أم لا يوصف بالقدرة على ذلك . وهم فرقتان : فزاعم أكثر الزاعمين أن البارئ قادر على الظلم والجور أنه قادر على أن يظلم ويجوز . وزعمت فرقة منهم وهم أصحاب عباد بن سليمان أن البارئ قادر على الظلم والجور ولا نقول على أنه يظلم وهو قادر على الجور ولا نقول على أنه يجوز . واختلف المعتزلة في الجواب عمن سأل عن البارئ سبحانه لو فعل ما يقدر عليه من الظلم والجور على سبعة أقاويل : 1 - فقال أبو الهذيل : محال أن يفعل البارئ ذلك لأن ذلك لا يكون إلا عن نقص ولا يجوز النقص على البارئ . 2 - وقال أبو موسى المردار : إطلاق هذا الكلام على البارئ قبيح لا يستحسن . . . 3 - وكان بشر بن المعتمر يقول : إن اللّه يقدر أن يعذب الأطفال . . . 4 - وكان محمد بن شبيب يزعم أن اللّه يقدر أن يظلم ولكن الظلم لا يكون إلا ممن به آفة فعلمت أنه لا يكون من اللّه سبحانه فلا معنى لقول من قال : لو فعل . 5 - وكان بعضهم يزعم أن اللّه يقدر أن يفعل العدل وخلافه والصدق وخلافه ولا يقول : يقدر أن يظلم ويكذب وهذا قول جعفر بن حرب . 6 - وكان الإسكافي يقول : يقدر اللّه على الظلم إلا أن الأجسام تدل بما فيها من العقول والنعم التي أنعم اللّه خلقه على أن اللّه لا يظلم والعقول تدل بأنفسها على أن اللّه ليس بظالم .