فخر الدين الرازي
298
القضاء والقدر
الثاني : إنه تعالى لما بين أنه حرم الظلم على نفسه ، أوجب على العباد أن لا يظلم بعضهم بعضا . ولو كان تعالى هو الذي يخلق الظلم فيهم ، لكان ظالما . وأيضا : فكيف يقول لهم : لا تظالموا مع أنه تعالى هو الذي يخلق ذلك الظلم فيهم ؟ . والثالث : قوله : « إنكم تخطئون بالليل والنهار ، وأنا أغفر الذنوب . ولا أبالي » فلو كان حصول ذلك الخطأ بخلق اللّه وإيجاده ، كما أن الغفران منه ، لم يكن في هذا التفضيل والتميز فائدة . وأيضا : فإذا خلق الخطأ غيره فهو تعالى إنما غفر للعبد بسبب فعل ما فعله العبد ، وتصريح النص يبطل ذلك . الرابع : إنه تعالى قال في آخر هذا الحديث : « هذه أعمالكم أحفظها عليكم » وهذا تصريح بأن هذه الأعمال أعمالنا ، لا أعمال اللّه . ثم قال : « من وجد خيرا فليحمد اللّه » وهذا يدل على أنه تعالى خلق القدرة على الفعل ، وهدى العبد إليه ، ووضع الدلائل عليه وأرشد إليه ، ومنع عنه أضداده . ثم قال : « ومن وجد غير ذلك ، فلا يلومن إلا نفسه » وهذا تصريح بأن المعاصي ليست من اللّه البتة . الحجة السادسة عشر : ما روى هشام الدستوائي قال : حدثنا قتادة عن مطرف بن عبد اللّه بن الشخير عن عياض بن حمار أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته « 1 » « إلا أن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم ، مما علمني في يومي هذا : كل مال نحلت عبادي فهو حلال لهم ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم . وإنهم أتاهم الشيطان فاحتالهم عن دينهم ، وحرم عليهم ما حللت لهم » وهذه الخطبة طويلة . والمقصود منها : أنه عليه الصلاة والسلام صرح بأنه تعالى خلق الخلق حنفاء على السلامة الأصلية وإن الشياطين هم الذين أضلوهم عن الحق . فمن قال : إن اللّه هو أضلهم عن الدين ، فقد جاهر بتكذيب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في هذه الخطبة . الحجة السابعة عشر : ما روى أبو هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا أبا هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس ، وكن قنعا تكن أشكر الناس ، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا ، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما » « 2 » ووجه الاستدلال بهذا الخبر : أنه حثه على
--> - 7 - وكان هشام الغوطي وعباد بن سليمان إذا قيل لهما : لو فعل اللّه سبحانه الظلم كيف كانت تكون القصة ؟ أحالا هذا القول . . . الخ » ( ص 200 - 203 ) . وأما قول الأشعري في ذلك فهو أن اللّه تعالى موصوف بالقدرة على ما إذا فعله كان في نفسه ظلما لغيره على معنى أن غيره يكون ظالما لا هو . وهو كما يقول الإمام ابن فورك ، مذهب واقع بين مذهبين مذهب النظام ومذهب الباقين من المعتزلة ( راجع التفصيل في مجرد مقالات الأشعري ( ص 148 - 149 ) . ( 1 ) حديث « ألا أن ربي أمرني » رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ( 4 / 2197 رقم 2865 ) وأحمد ( 2 / 162 ) . وهي خطبة طويلة ، وفيها بعض الاختلافات عن نص الرازي . ( 2 ) حديث « يا أبا هريرة كن ورعا . . . » رواه ابن ماجة في الزهد باب الورع والتقوى ( 2 / 1410 رقم 4217 ) وفي زوائد ابن ماجة : هذا إسناد حسن .