فخر الدين الرازي

294

القضاء والقدر

تعالى بين أن الخلق مخلوقون للعبادة كما قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 1 » فلا جرم قال : اعملوا بالطاعة . فإن جميع الخلق قد يسر اللّه لهم الاشتغال بالعبادة التي لأجلها خلقوا وإنما يكون هذا التيسير حاصلا إذا قلنا : العبيد قادرون على الفعل ، وأنه تعالى لا يخلق فيهم الكفر جبرا ، ولا يمنعهم عن الإيمان ، ولا يضلهم عن سواء السبيل . فثبت : أن قوله عليه السلام : « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » : نص صريح في هذه المسألة . الحجة السادسة : الدعاء المشهور المأثور عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو دعاء الاستفتاح وهو قوله : « اللهم أنت الملك ، لا إله إلا أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق ، فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصرف عني سيئها ، فإنه لا يصرف سيئها إلا أنت . لبيك وسعديك ، والخير كله في يديك . والشر ليس إليك ، إنا بك وإليك ، تباركت وتعاليت ، استغفرك وأتوب إليك » « 2 » وجه الاستدلال به : إن قوله : « والشر ليس إليك » صريح في المسألة . ولا يقال : إن قوله : « الخير في يديك » : يقتضي كون الإيمان من اللّه تعالى ، لأنه أعظم الخيرات . لأنا نقول : لما وقع التعارض وجب التوفيق ، فيحمل قول « الخير في يديك » على أن الإيمان حصل بإقدار اللّه تعالى ، ونصب الدلائل عليه . ويحمل قوله : « الشر ليس إليك » على أنه ليس بخلقه وتكوينه . وبهذا الطريق يزول التعارض . الحجة السابعة : ما روى أبو صالح عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، قال : جاءت فاطمة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وطلبت منه خادما . فقال لها : « قولي اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ، ربنا ورب كل شيء ، أنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، منزّل التوراة والإنجيل والفرقان ، فالق الحب والنوى ، أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها » « 3 » وجه الاستدلال : قوله : « أعوذ بك من شر كل دابة » يدل على أن الشر ليس من اللّه ، ومن قال بغير ذلك فإنه باطل . الحجة الثامنة : روى ابن مسعود أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا قال العبد عندما يصيبه هم أو حزن : اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك . ناصيتي بيدك ، ماض في حكمك ، عدل في قضائك . أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، وأنزلته في كتابك ، وعلمته أحدا من خلقك ، واستأثرت به في علم الغيب عندك ، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ، ونور بصري ، وجلاء

--> ( 1 ) سورة الذاريات الآية 56 . ( 2 ) هو دعاء الاستفتاح وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ . . . رواه مسلم في صلاة المسافرين باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه ( 1 / 534 رقم 771 ) والترمذي في الدعوات باب دعاء أوب الصلاة ( 5 / 485 رقم 3421 - 3423 ) وأبو داود في الصلاة باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء ( 1 / 199 رقم 760 ) . والنسائي ( 2 / 130 ) . ( 3 ) تقديم تخريجه .