فخر الدين الرازي
295
القضاء والقدر
حزني ، وذهاب همي : أذهب اللّه همه ، وأبدل مكان حزنه فرحا » « 1 » ووجه الاستدلال به : أن قوله : « عدل في قضاؤك » يدل على أن لا جور في قضائك . ولا يقال : إن كل ما يفعله اللّه تعالى بعبده فهو عدل ، لأنه يتصرف في ملك نفسه . لأنا نقول : فعلى هذا التقدير يمنع أن يكون له ظلم على العبد ، فوجب أن لا يتمدح بذلك . لأن من لم يقدر على الظلم فلم يظلم ، لم يكن ذلك قدحا في حقه . ولقائل أن يقول : يشكل هذا بقوله تعالى : ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ « 2 » فإن هذا في معرض المدح ، مع أن إيجاد الولد له ممتنع في نفسه . الحجة التاسعة : روى أبو عمر قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول وهو قائم على المنبر : « إنما بقاؤكم فيمن سلف قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ، أعطي أهل التوراة التوراة ، فعملوا بها حتى إذا انتصف النهار عجزوا عنها فأعطوا قيراطا قيراطا . وأعطي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به ، حتى إذا بلغوا صلاة العصر ، عجزوا . فأعطوا قيراطا قيراطا . وأعطيتهم القرآن فعملتم به ، حتى إذا غربت الشمس أعطيتم قيراطين . قال أهل التوراة والإنجيل : ربنا هؤلاء أقل عملا وأكثر جزاء . فقال : اللّه : « هل ظلمتكم من أجركم شيئا ؟ » فقالوا : لا . فقال : « فضلي أوتيته من أشاء » « 3 » ووجه الاستدلال به : أنه لا يصح استحقاق الأجر والثواب على ما يخلقه اللّه فينا كألواننا وصورنا وحيث أثبت اللّه الأجر ظهر أن أفعالنا ليست بخلق اللّه . الحجة العاشرة : قوله عليه الصلاة والسلام : « نية المرء خير من عمله » « 4 » وهذا تصريح
--> ( 1 ) حديث « اللهم إني عبدك . . » رواه أحمد ( 1 / 391 ) وابن حبان ( موارد الظمآن 589 رقم 2372 ) . وعزاه الحافظ الهيثمي في « مجمع الزوائد » لأحمد وأبي يعلى والبزار والطبراني قال : ورجال أحمد أبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان . ورواه الطبراني عن أبي موسى الأشعري . قال الهيثمي : وفيه من لم أعرفه » ( 10 / 137 ) ورواه الحاكم ( 1 / 509 ) . ( 2 ) سورة مريم الآية 35 . ( 3 ) حديث « إنما بقاؤكم فيمن سلف . . . » رواه البخاري في الإجارة باب الإجارة إلى نصف النهار وباب الإجارة إلى صلاة العصر ، وفي مواقيت الصلاة باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب ؛ وفي الأنبياء باب ما ذكر عن بني إسرائيل وفي فضائل القرآن باب فضل القرآن على سائر الكلام ؛ وفي التوحيد باب في المشيئة والإرادة وباب قول اللّه تعالى . قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها . ورواه الترمذي في الأمثال باب مما جاء في مثل ابن آدم وأجله وأمله ( 5 / 153 رقم 2871 ) . ( 4 ) حديث « نية المرء خير من عمله » عزاه السيوطي في الجامع الصغير للطبراني عن سهل بن سعد . وقال المناوي : قال الهيثمي : رجاله موثقون إلا حاتم بن عباد بن دينار لم أر من ذكر له ترجمة أه . وأطلق الحافظ العراقي أنه ضعيف من طريقه » ورواه القضاعي في مسند الشهاب ( 1 / 119 ) ؛ عن النواس بن سمعان وفيه عثمان بن عبد اللّه الشامي اتهم . وبقية بن الوليد مدلس . وقد عنعن » ورواه أبو نعيم في الحلية ( 3 / 255 ) والخطيب في تاريخ بغداد ( 9 / 237 ) وفي إسناده من هو غير معروف . والديلمي في فردوس الأخبار ( 5 / 35 ) ؛ وقال الألباني في ضعيف الجامع : ( 6 / 17 ) : ضعيف . وعزاه السخاوي بلفظ « نية المؤمن أبلغ من عمله » للعسكري في الأمثال والبيهقي في الشعب من جهة ثابت -