فخر الدين الرازي
259
القضاء والقدر
الفعل والترك - عبث وسفه . والجواب : إنا بينا في باب الجواب عن شبههم العقلية : إن تكليف ما لا يطاق ، لازم على المعتزلة من اثني عشر وجها ، فلا فائدة في إعادتها في هذا المقام وباللّه التوفيق . الوجه الثالث من استدلالات القوم : الآيات الدالة على أنه لا مانع لهم من الإيمان والطاعة ، ولا مجبر لهم على الكفر والمعصية . ولنذكر من هذا الجنس آيات : أحدها : قوله تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ « 1 » ؟ قالوا : هذه الآية دالة على أن الكفر من قبل العبد . وبيانه من وجوه : الأول : لو كان تعالى قد خلق الكفر فيهم ، لما جاز أن يقول : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ على سبيل التوبيخ ، كما لا يجوز أن يقول : كيف تسودون وتبيضون وتصحون وتسقمون ؟ الثاني : إن كان خلقهم أولا للشقاء وللنار ، أو ما أراد بخلقهم إلا الكفر والوقوع في النار فكيف يصح أن يقول موبخا لهم : كَيْفَ تَكْفُرُونَ ؟ الثالث : كيف يليق بالحكيم أن يقول : كَيْفَ تَكْفُرُونَ حال ما يخلق الكفر فيهم ؟ الرابع : إنه تعالى إذا قال للكفار : كَيْفَ تَكْفُرُونَ فهل ذكر هذا الكلام توجيها للحجة على العبد ، وطلبا للجواب منه ، أو ذكره على سبيل الهزل والبعث ؟ والثاني لا يقول به مسلم . فبقي الأول : فنقول : لو كان موجد الكفر هو اللّه تعالى ، لكان للكافر أن يقول : عندي اثني عشر وجها من وجوه العذر . كل واحد منها مستقل بأن يكون جوابا عن هذا السؤال : فالأول : أنه يقول : يا إله الخلق خلقت الكفر في ، فكيف لا أكون كافرا . مع أني لا أقدر على دفع فعلك ؟ الثاني : أردت الكفر ، وأنا لا أقدر على دفع إرادتك . والثالث : علمت الكفر مني - وعند المجبرة : أن خلاف المعلوم ممتنع الوقوع . والرابع : أجبرت على وقوع الكفر - عند المجبرة ، خلاف خبر اللّه ممتنع الوقوع - والخامس : إنك خلقت في قدرة لا تصلح إلا للكفر ، ومع حصول تلك القدرة يكون الكفر واجب الحصول . والسادس : إنك خلقت في إرادة جازمة مقتضية لحصول الكفر ، ومع حصول تلك الإرادة يكون الكفر واجب الحصول . وأيضا : فكما حصلت هذه الأسباب الستة في جانب حصول الكفر ، فهي بأسرها مفقودة في جانب الإيمان . مع أنه يمتنع حصول الإيمان إلا عند حصول مجموعها . فثبت : أنه حصل لعدم الإيمان اثني عشر سببا . كل واحد منها مستقل بعدم الإيمان . فكيف يليق بالحكيم أن يقول مع هذه الموانع القاهرة : وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا « 2 » ؟ أو يقول : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ « 3 » اللّهم إلا إذا قاله على سبيل الهزل . إلا أن على هذا التقدير يصير القرآن كتاب الهزل والسخرية .
--> ( 1 ) سورة البقرة الآية 28 . ( 2 ) سورة النساء الآية 39 . ( 3 ) سورة البقرة الآية 28 .