فخر الدين الرازي
260
القضاء والقدر
وثانيها : قوله تعالى : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى « 1 » ؟ وهو إنكار بلفظ الاستفهام « 2 » . ومعلوم : أن رجلا لو جلس في موضع ، بحيث لا يمكنه الخروج ، وقال له مولاه : ما منعك عن التصرف في حوائجي ، كان ذلك الكلام عبثا . وأيضا : المجبرة يقولون : إن الختم والطبع والقسوة والغشاوة والوقر والصّم والبكم والعمى والسد والإغواء والإضلال والإرانة والصرف والمكر والاستدراج والخداع « 3 » . وكل واحد من هذه الأمور الستة عشر : سببه مستقل بالمنع من الإيمان . فمع قيام هذه الموانع بأسرها كيف يليق بالحكيم أن يقول : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا ؟ وأيضا : الأعذار الاثني عشر قائمة ، ومع حصولها ، كيف يليق بالحكيم أن يقول : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا . وثالثها : قوله تعالى لإبليس ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ ؟ « 4 » وقول موسى عليه السلام لأخيه :
--> ( 1 ) سورة الكهف الآية 55 . ( 2 ) أنظر البحر المحيط 6 / 139 . ( 3 ) الختم كقوله تعالى خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ . والطبع كقوله تعالى وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ . والقسوة كقوله عز وجل وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً . . والغشاوة كقوله سبحانه خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ . والوقر كقوله عز وجل وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً . والصم والبكم والعمى كقوله تعالى صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ . والسد كقوله تعالى وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ . والإغواء كقوله عز وجل قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ . والإضلال كقوله سبحانه فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ والإرانة من الران قال تعالى كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ والصّرف كقوله جل وعلا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ . والمكر كقوله تعالى أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ والاستدراج كما قال عز وجل سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ والخداع كقوله سبحانه إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ . قلت ومن الموانع التي لم يذكرها الرازي رحمه اللّه وهي أيضا مما يتعلق بالقلوب : القفل قال تعالى أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها . والأكنة وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً . الغفلة قال عز وجل وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا . المرض قال سبحانه فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً . الزيغ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ . عدم الفقه أو العقل لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها . الريبة : قال تعالى وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ . اللهو : قال عز وجل لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ . الغمرة : قال سبحانه بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا . ( 4 ) سورة ص الآية 75 .