فخر الدين الرازي
258
القضاء والقدر
إذا عرفت هذا ، فنقول : الألفاظ المستعملة في إسناد الفعل إلى فاعله في اللغة ليس إلا ما ذكرناه . وكلها ورد في كتاب اللّه تعالى في إسناد أفعال العباد إليهم ، فمن أنكر في هذا الإسناد كان ساعيا في تكذيب كتاب اللّه تعالى ، مجاهرا بالإنكار والإبطال . وأنه محض الكفر . والجواب : إن هذا أيضا خارج عن المذهب الذي اخترناه ، وهو أن مجموع القدرة مع الداعي مستلزم الفعل لأنه فعل من الفاعل ، إلا الذي يكون بحال متى اتصف بالقدرة والإرادة الجازمة ، وارتفعت الموانع فإنه يجب الفعل . والعبد كذلك . فيكون فاعلا وصانعا . إلا أن خالق تلك القدرة وتلك الداعية لما كان هو اللّه سبحانه كان الكل بقضاء اللّه وقدره وتخليقه وتكوينه . وبهذا الطريق ظهر أن جميع ألفاظ القرآن مستعملة في موضعها الأصلي من غير حاجة طلى الإنكار ولا إلى الابتكار . وبهذا الطريق ظهر أن الذي اخترناه هو خير المذاهب والأقوال في هذا الباب . واللّه أعلم . الوجه الثاني من وجوه استدلالتهم من كتاب اللّه تعالى : الأمر والنهي : أ - وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ « 1 » ب - سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ « 2 » ج - أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ ، وَآمِنُوا بِهِ « 3 » د - اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ « 4 » ه - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ « 5 » و - فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ « 6 » ز - وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ « 7 » ح - وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ « 8 » ط - وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا « 9 » ي - أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ « 10 » . وبالجملة : فالأوامر والنواهي الواردة في كتاب اللّه ، لا حد لها ولا حصر ، ولو لم يكن العبد قادرا على الفعل والترك ، لم يقبل أمره ولا نهيه ، وكيف يجوز في العقل أن يقال : افعل يا من لا يفعل ؟ ولو جاز ذلك ، فلم لا يجوز أن يبعث الأنبياء إلى الجمادات ، وينزل عليهم الكتب ويملأ تلك الكتب من الوعد والوعيد للجمادات ؟ وكما أن صريح لفظ القرآن يشهد بأن كل ذلك سفه وعبث ، فكذلك صريح العقل يشهد بأن أمر العبد ونهيه - مع أنه لا قدرة له على
--> ( 1 ) سورة آل عمران الآية 133 . ( 2 ) سورة الحديد الآية 21 . ( 3 ) سورة الأحقاف الآية 31 . ( 4 ) سورة الأنفال الآية 24 . ( 5 ) سورة الحج الآية 77 . ( 6 ) سورة النساء الآية 170 . ( 7 ) سورة الزمر الآية 55 . ( 8 ) سورة الزمر الآية 54 . ( 9 ) سورة الحشر الآية 7 . ( 10 ) سورة النساء الآية 59 .