فخر الدين الرازي
254
القضاء والقدر
النوع الثالث من استدلالات المعتزلة بالقرآن أعلم أنها كثيرة جدا . غير أنا نذكر معاقدها على سبيل الاختصار : فالوجه الأول من استدلالاتهم بالقرآن : الألفاظ الدالة على إسناد الأفعال إلى العباد وهو على طريقين : الطريق الأول : إسناد الأفعال إلى الفاعلين . أ - قوله تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ، وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ، وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ « 1 » فأضاف الفعل إليهم ، ولم يقل : الذين خلق فيهم الإيمان ، والصلاة ، والإنفاق . ب - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا . سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ ، أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ . لا يُؤْمِنُونَ « 2 » فبين تعالى : أن الإيمان موقوف عليهم ، وأنهم لا يأتون به . ج - وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : آمَنَّا بِاللَّهِ ، وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ . وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ . يُخادِعُونَ اللَّهَ ، وَالَّذِينَ آمَنُوا . وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ « 3 » وعلى قول المجبرة : كان يجب أن يقال يخادع اللّه نفسه ، د - الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ، وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ « 4 » . وكل ذلك نص في أن هذه الأشياء منهم . ه - قالُوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ، وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ، وَنُقَدِّسُ لَكَ « 5 » فأضافوا الفساد وسفك الدماء إلى البشر ، وأضافوا التسبيح والتقديس إلى أنفسهم . وبالجملة : فأمثال هذه الإضافات والإسناد في القرآن مما لا حد لها ولا حصر . وطريق الاستدلال بالكل : أن نقول : خروج هذه الأفعال من العدم إلى الوجود . إما أن يكون بقدرة اللّه تعالى ، أو بقدرة العبد . فإن كان بقدرة اللّه لم يكن للعبد قدرة ، لا على وجودها ، ولا على عدمها . لأن اللّه تعالى إذا خلقها فهي حاصلة . سواء أراد العبد ذلك ، أو لم يرده . وإذا لم يخلقها ، لم يقدر العبد على تحصيلها . فثبت : أن حصول الفعل ، لو كان بقدرة اللّه لم يبق للعبد إليه اختيار ومكنة ، وعند هذا لا يكون الفعل فعلا للعبد ، وحينئذ تصير هذه الآيات الدالة على كونه فاعلا ، كلها
--> ( 1 ) سورة البقرة الآية 3 . ( 2 ) سورة البقرة الآية 6 . ( 3 ) سورة البقرة الآية 9 . ( 4 ) سورة البقرة الآية 27 . ( 5 ) سورة البقرة الآية 30 .