فخر الدين الرازي

198

القضاء والقدر

البشر عليه السلام . وذلك لأن حصول اليسرى تارة ، والعسرى أخرى ، إنما كان بواسطة هذه الدواعي والبواعث . فأهل الشقاوة هم الذين تيسرت لهم دواعي الفساد ، وأهل السعادة هم الذين تيسرت لهم دواعي الطاعات . فإن الداعية توجب الفعل ، وحصول الفعل يوجب الأثر في الدار الآخرة . وكيف يقال : إنا نترك الفعل ، ونجد أثر ذلك الفعل ؟ . الحجة الخامسة : ما رواه مسلم « 1 » في صحيحه بإسناده عن طاوس اليماني ، أنه قال : أدركت ناسا من أصحاب رسول اللّه عليه السلام ، يقولون : كل شيء بقدر اللّه ، وسمعت عبد اللّه بن عمر ، يقول : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كل شيء بقدر ، حتى العجز والكيس » والاستدلال بالخبر : ظاهر . وتقريره من حيث العقل : إن كل ما سوى اللّه ممكن ، وكل ممكن محتاج . وذلك يدخل فيه الأفعال والأقوال والأحوال والأخلاق . الحجة السادسة : ما رواه مسلم « 2 » في صحيحه ، بإسناده عن جابر ، قال : جاء سراقة بن مالك بن جعشم ، فقال : يا رسول اللّه بيّن لنا ديننا ، كأنّا خلقنا الآن . فيم العمل اليوم ؟ فيما جفت به الأقلام ، وجرت به المقادير ؟ أو فيما نستقبل ؟ قال عليه السلام : « بل فيما جفت به الأقلام ، وجرت به المقادير » قال : ففيم العمل ؟ قال : « اعملوا : فإن كلا ميسّر » . قال صاحب شرح السنة ، بعد ما روى هذا الخبر : « وصح عن أبي هريرة ، عن رسول اللّه عليه السلام أنه قال : « يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق » . فاختصمه على ذلك ، أبو ذر . قالوا : المراد من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « الأمر قد فرغ منه » هو الكتابة في اللوح المحفوظ ، والإخبار عن كونه شقيا أو سعيدا . قالوا : والدليل على أن المراد ما ذكرناه : أنه عليه السلام بيّن أن تلك الكتابة غير موجبة لشقاوة العبد ولسعادته ، وإنما يستحق ذلك بعمله الذي يحصل باختياره . وأما قوله : « كل ميسر لما خلق له » فالمراد : أنه قادر عليه ، غير ممنوع . وذلك هو صريح مذهب الاعتزال . والجواب : أما حمل هذا الكلام على الحكم والكتابة فقد تقدم القول بأن هذا يوجب قولنا . وأما قوله : « إنه عليه السلام ما أحال السعادة والشقاوة على ذلك الكتاب ، بل على ذلك العمل » فجوابه : إن الحديث دل على أنه تعالى إنما قدر له السعادة تارة ، والشقاوة أخرى ، بواسطة الأعمال المفضية إليها ، والموجبة لها . وذلك هو صريح قولنا .

--> ( 1 ) رواه مالك في الموطأ ( 2 / 899 ) ومن طريقه مسلم في صحيحه كتاب القدر باب كل شيء بقدر ( 4 / 2045 رقم 2655 ) ، وأحمد ( 2 / 110 ) . ( 2 ) الحديث رواه مسلم في القدر باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه ( 4 / 2040 رقم 2648 ) ؛ وأحمد ( 3 / 293 ) .