فخر الدين الرازي
199
القضاء والقدر
الحجة السابعة : روى البخاري « 1 » بإسناده عن ابن عباس أنه قال : ما رأيت شيئا أشبه باللّمم ، مما قاله أبو هريرة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « إن اللّه كتب على ابن آدم حظه من الزنا ، أدرك ذلك لا محالة . وزنا العين النظر ، وزنا اللسان النطق ، والنفس تمني وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك ويكذبه » . وجه الاستدلال بالخبر : ما تقدم . أنه تعالى لما علم ذلك وأخبر عنه ، وكتبه في الكتاب ، صار واجب الوقوع ، وإلا لزم الجهل والكذب . وأيضا : فقوله عليه السلام « أدرك ذلك لا محالة » مشعر بأنه يجب صدور ذلك الفعل عنه . وذلك يبطل قول المعتزلي . الحجة الثامنة : ما رواه مالك بن أنس في « الموطأ » « 2 » أن عمر بن الخطاب ، سئل عن قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ، مِنْ ظُهُورِهِمْ ، ذُرِّيَّتَهُمْ . وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قالُوا : بَلى « 3 » قال عمر بن الخطاب : سئل رسول اللّه عنها ، فقال رسول اللّه : « إن اللّه خلق آدم ، ثم مسح ظهره بيمينه ، فاستخرج منه ذرية ، فقال : خلقت هؤلاء للجنة ، وبعمل أهل الجنة يعملون . ثم مسح ظهره ، فاستخرج منه ذرية ، فقال : خلقت هؤلاء للنار ، وبعمل أهل النار يعملون . فقال رجل : ففيم العمل يا رسول اللّه ؟ فقال عليه السلام : إن اللّه إذا خلق العبد للجنة ، استعمله بعمل أهل الجنة ، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة ، فيدخله به الجنة . وإذا خلق العبد للنار ، استعمله بعمل أهل النار ، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار ، فيدخله به النار » . والاستدلال بهذا الخبر كما تقدم . وقوله : « استعمله بعمل أهل الجنة » معناه : بخلق الدواعي الموجبة للأفعال المخصوصة . واعلم : أن هذه الأحاديث بأسرها صريحة في أن الحق ما اخترناه من أن مجموع القدرة مع الداعي : مستلزم للفعل .
--> ( 1 ) الحديث رواه البخاري في صحيحه كتاب الاستئذان باب زنى الجوارح دون الفرج ( 8 / 67 ) ؛ وفي القدر باب ( وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ) ( 8 / 156 ) ؛ ومسلم في القدر باب قدر على ابن آدم حظه من الزنى وغيره ( 4 / 2046 رقم 2657 ) ؛ وأبو داود باب النكاح باب ما يؤمر به من غض البصر ( 2 / 253 رقم 2152 ) ؛ وأحمد ( 2 / 276 ، 431 ) . ( 2 ) رواه مالك في الموطأ ( 2 / 898 - 899 ) عن زيد بن أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل . . . ورواه كذلك الترمذي في التفسير ، باب ومن سورة الأعراف ( 5 / 266 رقم 3075 ) ؛ وأبو داود في السنة باب في القدر ( 4 / 226 رقم 4703 ) ؛ وأحمد ( 1 / 44 و 45 ) والحاكم ( 1 / 27 ) . قال الترمذي : « هذا حديث حسن ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر . وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رجلا مجهولا » وذكر أبو داود في سننه بينهما : نعيم بن ربيعة . وفي ميزان الاعتدال للحافظ الذهبي : نعيم بن ربيعة : لا يعرف ( 4 / 270 ) . والحديث رواه أيضا : عبد بن حميد والبخاري في تاريخه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والآجري في الشريعة وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والألكائي والبيهقي في الأسماء والصفات . ( أنظر الدر المنثور 3 / 142 وتفسير ابن كثير 2 / 262 ) . ( 3 ) سورة الأعراف الآية 172 .