فخر الدين الرازي
197
القضاء والقدر
فثبت : أن هذا البرهان العقلي يدل على أن المواظب على أعمال أهل النار ، إنما ينقلب مواظبا على أعمال أهل الجنة . لأن القضاء الإلهي ، اقتضى ذلك ، وقلبه من أحد الجانبين إلى الجانب الآخر . وهذا هو المراد من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل الجنة » . قوله : « هذا الحديث لا يدل إلا على أن أفعال العباد ، لا تقع إلّا على وفق علم اللّه » قلنا : هب أنه كذلك . إلا أنا بينا أن خلاف المعلوم ممتنع الوقوع . أما قوله : « حكم اللّه في أفعال العباد ، مشروط ، لا جازم » قلنا : لا نزاع أن اللّه تعالى يعلم أن « زيدا » لو أطاع فإنه يثاب . ولكن هل حصل مع هذه القضية الشرطية علم بأنه يطيع أم لا ؟ فإن لم يحصل العلم ، لا بالوقوع ، ولا بعدم الوقوع ، كان تعالى غير عالم بالجزئيات . وهو كفر . وإن علم الوقوع ، أو اللاوقوع ، وجب أن لا يكون خلافه ، ممتنع الوقوع . وحينئذ يعود الإلزام المذكور . واللّه أعلم . الحجة الرابعة : ما رواه الشيخان في الصحيحين « 1 » باسناديهما ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي بن أبي طالب . قال : خرجنا على جنازة . فبينا نحن بالبقيع . إذ خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وبيده مخصرة فجاء ، فجلس ، ثم نكت بها في الأرض ساعة ، ثم قال : « ما من نفس منفوسة ، إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار . وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة » . فقال رجل : أفلا نتكل على كتابنا يا رسول اللّه ، وندع العمل ؟ قال : « لا . ولكن اعملوا ، فكل ميسر . أما أهل الشقاء فييسرون لعمل أهل الشقاء ، وأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة » قال : « ثم تلا هذه الآية : فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى . وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى ، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى « 2 » . والاستدلال بهذا الحديث ، كما تقدم تقريره في الحديث الثالث . واعلم : أن هذا الحديث تصريح بما اخترناه من أن مجموع القدرة والداعي ، يوجب الفعل وذلك لأن صلاحية الآلة وسلامة الأعضاء ، حاصل بالنسبة إلى الطاعة والمعصية ، وإلى اليسرى والعسرى . إلا أنه إن حصلت داعية الطاعة ، فذاك هو التيسير لليسرى . وإن حصلت داعية المعصية . فذاك هو التيسير للعسرى . وأما قول السائل : أفلا نتكل على الكتاب السابق ؟ فلا جواب عنه إلا ما ذكره سيد
--> ( 1 ) الحديث رواه البخاري في القدر باب ( وكان أمر اللّه قدرا مقدورا ) ( 8 / 154 ) ؛ وفي الجنائز باب موعظة المحدث عند القبر ( 2 / 120 ) ؛ وفي التفسير تفسير سورة وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ( 6 / 211 ) ؛ وفي التوحيد باب قول اللّه تعالى وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ( 9 / 195 ) ؛ ورواه مسلم في القدر باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه ( 4 / 2039 رقم 2647 ) ؛ وأبو داود في السنة باب في القدر ( 4 / 222 رقم 4694 ) ؛ والترمذي في القدر باب ما جاء في الشفاء والسعادة ( 4 / 445 رقم 2136 ) ؛ وابن ماجة في المقدمة باب في القدر ( 1 / 30 رقم 78 ) ؛ وأحمد ( 1 / 82 و 140 ) . ( 2 ) سورة الليل الآيات 4 - 10 .