فخر الدين الرازي
180
القضاء والقدر
واعلم : أن من تأمل في كتب الأخبار ، عرف أن أكثرها مضطرب بسبب الزيادات والنقصانات ، بحسب الروايات المختلفة . الوجه الخامس : إنا نعلم بالضرورة : أن الصحابة الذين نقلوا عن رسول اللّه هذه الأخبار . ما كانوا يكتبونها عند سماعها منه ، بل كانوا يكتفون بمجرد السماع . ثم إنهم بعد سماعها منه ، ما كانوا يقرءونها عليه عند حضوره لغرض تصحيح الغلط وإصلاح الفاسد . بل كانوا يكتفون بالسماع مرة واحدة . ثم ربما رووا ذلك الحديث بعد المدة بثلاثين سنة ، أو أربعين سنة ، أو خمسين سنة . وعند هذا يحصل القطع واليقين بوقوع التفاوت الكثير في الألفاظ ، وفي المعاني . أما في الألفاظ : فلأن الفقيه الذي اعتاد تلقف الدرس من الأستاذ ، وبلغ في هذه القدرة إلى الغاية القصوى ، إذا ألقى الأستاذ الدرس عليه مرة واحدة ، فإنه لا يمكنه أن يعيد ذلك الدرس بألفاظ الأستاذ بالكلية . بل لا بد وأن يقع فيه تغيير كثير في الألفاظ ، وتقديم وتأخير . ثم من المعلوم : أن هؤلاء الرواة تعودوا تلقف الدروس ، وما مارسوا هذه الصنعة . بل كانوا يسمعون ألفاظ الرسول عليه السلام ، ثم كانوا يعيدونها بعد السنين المتطاولة . فلما لم يقدر الفقيه المتعود لتلقف الألفاظ على إعادة ما سمعه في ذلك المجلس بتلك العبارة ، فبأن لا يقدر عليه الرجل الذي لم يتعود البتة ضبط الألفاظ بعد خمسين سنة ، إعادة تلك الألفاظ ، كان أولى . وبالجملة : فالعلم الضروري حاصل بأن إعادة تلك الألفاظ بعين ذلك الترتيب ، غير مقدور البتة . وأما أن إعادة تلك المعاني غير ممكن أيضا : فذاك . لأن رجلا كبيرا مهيبا . إذا جلس يحدث الناس ، وحضر عنده ، جمع عظيم . فإذا تفرقوا عن مجلسه ، وحاول كل واحد من أولئك السامعين أن يحكي عين ما سمعه . فإنه يقع بينهم اختلاف شديد ، واضطراب عظيم ، بسبب الزيادة والنقصان في ذلك الكلام . فإذا كان الأمر كذلك مع قرب الزمان ، فكيف مع تطاول المدة ، وكثرة الوسائط ، وشدة رغبات المحدثين في وجوه التحريف والتغيير ؟ فبهذا الطريق . ظهر أن هذه الأخبار المنقولة إلينا ، ليست ألفاظها ، ألفاظ صاحب الشريعة ، ولا معانيها تلك المعاني . الوجه السادس من وجوه الطعن في أخبار الآحاد : إن من المحتمل أن يكون الحديث الذي رواه الراوي ، كان مسبوقا بكلام آخر ، فدخل هذا الراوي في أثناء الكلام ، ولم يسمع تلك المقدمة ، فيقل القدر الذي سمعه . وكان ذلك القدر حظي بانفراده . ولنذكر لهذا أمثلة : المثال الأول : روي أن ابن عمر ، وأبوه عمر - رضي اللّه عنهما - كان ينهي كل واحد منهما عن البكاء على الميت . ويقول : سمعت رسول اللّه يقول : إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه . فأنكرت عائشة رضي اللّه عنها ، على ذلك . وقالت : إن لكم في القرآن ما يكفيكم . قال تعالى :