فخر الدين الرازي

160

القضاء والقدر

بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا بنور العقل . السادس : قال « أبو مسلم الأصفهاني » « 1 » : احرسنا من الشيطان ، ومن شرور أنفسنا حتى لا نزيغ . والجواب : أما التأويل الأول : فضعيف . لأن مذهبهم : أن كل ما أمكن في قدرة اللّه تعالى أن يفعل في حقهم من الألطاف ، فقد وجب ذلك وجوبا ، لو ترك لبطلت إلهيته ، ولصار جاهلا أو محتاجا . والشيء الذي يكون ، فأي حاجة إلى الدعاء والتضرع في طلبه ؟ . وأما الثاني : فضعيف أيضا . لأن التسديد في التكليف . إن علم اللّه أن له أثرا في حمل المكلف على القبيح ، كان فعله من اللّه قبيحا . وإن علم أنه لا أثر له في حمل المكلف على فعل القبيح ، كان وجوده كعدمه ، فيما يرجع إلى كون العبد مطيعا وعاصيا . فلا فائدة في صرف الدعاء إليه . وأما الثالث : وهو أن يكون المراد أن لا يوقع اللّه علينا اسم الزيغ . فقد تقدم جوابه . وأما الرابع : فجوابه : أنه لو كان علمه بأنه يكفر في السنة الثانية ، يوجب عليه أن يميته في الحال ، لكان علمه بأنه يكفر طول عمره ، يوجب عليه أن لا يخلقه البتة . وأما الخامس : وهو حمله على إبقاء العقل . فضعيف . لأن هذه الآية متعلقة بما هو مذكور قبل هذه الآية . وهو قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ . وأما السادس : وهو أن يحمل ذلك على الحراسة من الشيطان ، ومن شرور النفس . فنقول : ذلك إن كان مقدورا للّه ، فقد وجب فعله ، فلا فائدة في طلبه . وإن لم يكن مقدورا فلا فائدة في الدعاء . فظهر بما ذكرنا : سقوط جملة هذه الوجوه . ثم نقول : المصير إلى هذه التأويلات . إنما يحسن إذا دل الدليل على تعذر إجراء هذا النص ، فهو الحق الصريح . وإذا كان كذلك ، فكيف يصار فيه إلى التأويل . الحجة الرابعة عشر : قوله تعالى : وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ . يَقُولُوا : هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ . يَقُولُوا : هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ . قُلْ : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ « 2 » وجه الاستدلال : إن لفظ

--> ( 1 ) هو أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني الكاتب ، متكلم معتزلي ومفسر ونحوي من الطبقة الثامنة عند ابن المرتضى - ( ولد سنة 254 ه وتوفي سنة 322 ه ) كان مقربا من الوزير علي بن عيسى وعينه الخليفة المقتدر واليا على أصفهان وفارس ثم عزله بعد ذلك ثم تولى ولاية أصفهان خلفا لابن رستم . من آثاره : جامع التأويل لحكم التنزيل في التفسير في 14 مجلدا ، والناسخ والمنسوخ وغيرهما . ( أنظر : طبقات المعتزلة لابن المرتضى ص 91 ؛ معجم الأدباء 18 / 35 - 38 ، لسان الميزان 5 / 89 - 90 ، الوافي بالوفيات 2 / 244 ، الأعلام للزركلي 6 / 273 ؛ الفهرست ص 202 ، معجم المؤلفين 9 / 97 ، تاريخ التراث العربي 1 / 72 ) . ( 2 ) سورة النساء الآية 78 .