فخر الدين الرازي
161
القضاء والقدر
السيئة يقع على البلية تارة ، وعلى المعصية أخرى . وأيضا : الحسنة تقع على النعمة تارة ، وعلى الطاعة أخرى . قال تعالى : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ . لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ « 1 » وقال : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ « 2 » أي الطاعات والمعاصي . إذا عرفت هذا فنقول : إن قوله : إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يفيد العموم في كل الحسنات . وقوله : وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يفيد العموم في كل السيئات . ثم قال بعده : قُلْ : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فهذا تصريح بأن جميع الحسنات والسيئات من اللّه تعالى . ولما ثبت أن الطاعات والمعاصي داخلتان تحت اسم الحسنة والسيئة ، ودل هذا النص على أن جميع الحسنات والسيئات من اللّه ، لزم القطع بأن جميع المعاصي والطاعات من اللّه تعالى . فإن قيل : المراد هاهنا بالحسنة والسيئة ، ليس هو الطاعة والمعصية . ويدل عليه وجوه : الأول : اتفاق الكل على أن هذه الآية نازلة في معنى الخصب والجدب « 3 » . قال المفسرون : كانت المدينة مملوءة من النعم ، وقت مقدم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين ، أمسك اللّه عنهم بعض الإمساك ، كما جرت عادته في جميع الأمم . قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ ، مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها « 4 » فعند هذا قال اليهود والمنافقون : ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرجل . نقصت ثمارنا ، وغلت أسعارنا ، منذ قدم . فكان قوله : إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يعني الخصب ورخص السعر وتتابع الأمطار . قالوا : هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ وهي الجدب وغلاء الأسعار . قالوا : هذا من شؤم محمد - عليه السلام - فثبت : أن المراد هاهنا من الحسنة والسيئة ليس هو الطاعات والمعاصي ، بل الرخص والقحط . الثاني : إن الحسنة إذا أريد بها الخير والطاعة . لا يقال فيها : أصابتني . وإنما يقال : أصبتها . وليس في كلام العرب : أصابت فلانا حسنة . بمعنى أنه عمل خيرا ، وأصابته سيئة بمعنى عمل معصية . بل نقول : لو كان المراد ما ذكرتم ، لقال : إن أصبتم حسنة . الثالث : لفظ الحسنة واقع بالاشتراك على الطاعات ، وعلى المنافع الدنيوية ، وهاهنا أجمع المفسرون على أن المنافع مرادة ، فيمتنع كون الطاعات مرادة . ضرورة أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعا . الرابع : إنه تعالى قال بعد هذه الآية : ما دل على أن المراد بالحسنة والسيئة في هذه الآيات ، ليس هو الطاعات والمعاصي . وبيانه من وجهين : الأول : إن تعالى قال بعد هذه الآية : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ ، لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً
--> ( 1 ) سورة الأعراف الآية 168 . ( 2 ) سورة هود الآية 114 . ( 3 ) راجع التفسير الكبير للفخر الرازي 10 / 188 ؛ والبحر المحيط لأبي حيان 3 / 302 . ( 4 ) سورة الأعراف الآية 94 .