فخر الدين الرازي
156
القضاء والقدر
يعجز عن فعله . وذلك محال . فإن قيل : قوله : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عام دخله التخصيص من وجوه : منها : إن ذات اللّه وصفاته أشياء ، وهو غير قادر عليها « 1 » . ومنها : إن الجواهر - حال بقائها - أشياء . وهو تعالى غير قادر عليها . لأن إيجاد الموجود محال . ومنها : إن الحركة شيء ، ثم إن إيجادها حال حصول ضدها محال . ومنها : إن الجوهر شيء ، ثم إن إيجاده حال عدم العرض محال . فثبت : أن هذا عام دخله التخصيص . فتصير دلالة هذا العام ظنية . سلمنا : أن مقدور العبد مقدور للّه تعالى ، فلم قلتم : إنه يجب وقوعه بقدرة اللّه تعالى ، وما ذكرتموه من التعجيز ، فهو لازم عليكم . لأنه تعالى إذا خلق شيئا ، امتنع عليه أن يخلقه مرة أخرى . فيلزمكم أن تقولوا : إن اللّه تعالى أعجز نفسه ، وهو محال . والجواب : إنا ذكرنا مرارا : أن هذه الدلائل السمعية ظنية . وأما قوله : « يلزمكم أن اللّه إذا خلق شيئا ، أن يكون قد أعجز نفسه » قلنا : الإعجاز هو أن يصير بحيث لا يمكنه أن يفعل ما كان يمكنه أن يفعل ، بسبب منفصل . فالمقدور الواحد ، إذا كان مقدورا للّه تعالى وللعبد . فإذا فعله العبد ، امتنع بهذا السبب أن يفعله اللّه تعالى ، فكان هذا تعجيزا . لأن هذا التعذر إنما جاء بسبب منفصل ، بخلاف ما إذا خلق اللّه ذلك الفعل . فإن التأثير قد حصل منه وبه ، فكيف يكون تعجيزا ؟ . الحجة التاسعة : قوله تعالى : وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ « 2 » ومعلوم أن كون الإنسان منصورا على الغير . إما أن يكون بأفعال الجوارح . كما إذا تصارع رجلان ، ثم إن أحدهما يصرع الآخر . أو بالعلم واللسان ، كما إذا أغلب أحدهما صاحبه بالحجة والبرهان . فإذا كان النصر لا معنى له إلا ذلك . وكل ذلك فعل العبد ، ثم دل هذا النص ، على أن النصر ليس إلا من اللّه ، ثبت : أن فعل العبد حاصل بإيجاد اللّه . فإن قيل : النصر قد يكون بتقوية القلب ، وبالإمداد بالملائكة ، وبإزالة الخوف عن القلب . وكل ذلك من اللّه . قلنا : هب أن ما ذكرتموه يسمى بالنصر ، إلا أن الأفعال المؤثرة في الغلبة ، لا شك أنها أيضا مسماة بالنصر . فلما قال تعالى : وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ دخل فيه ما ذكرتم وما ذكرنا . وحينئذ يحصل المطلوب .
--> ( 1 ) هذه الجملة مشعرة بأن اللّه عز وجل « غير قادر » بمعنى عاجز . لذا فيجدر التنبيه إلى أن الأولى أن يقال : لا تتناولها القدرة لعدم صحة كونها من مقدورات اللّه عز وجل أصلا . وعليه فلا تخصيص . وتبقى الآية عامة في شمولها ، أي في شمول القدرة لكل ما هو مقدور وممكن وعمومها مستغرق . وإذا سلمنا التخصيص فإن الباقي بعد التخصيص عام من وجه وخاص من وجه . ( 2 ) سورة آل عمران الآية 126 .