فخر الدين الرازي
157
القضاء والقدر
الحجة العاشرة : قوله تعالى : أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ ، مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ . ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ « 1 » ومعلوم أن وقوف الطير في الهواء ، فعل اختياري لذلك الطير . وهذا يدل على أن الأفعال الاختيارية للحيوانات مخلوقة للّه تعالى . فإن قيل : المراد بالإمساك : إعطاء الآلات والقدر ، التي بها يتمكن الحيوان من فعل ذلك الاستمساك . قلنا : هذا عدول عن الظاهر . والأصل عدمه . الحجة الحادية عشرة : قوله تعالى : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي « 2 » وقوله : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ؟ « 3 » وقوله : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ « 4 » ولا معين لانشراح الصدر ، إلا حصول العلوم والمعارف « 5 » . فهذه النصوص كلها دالة على أن المعارف والعلوم إنما تحصل بخلق اللّه تعالى . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من شرح الصدر ، إزالة الخوف والغم والحزن عنه ، بحيث لا يتأذى بكل ما يسمع من المكروهات ؟ فالجواب عنه من وجهين : الأول : إن كل ما يتعلق بالإقدار والتمكين ، وإزالة الموانع والعلل ، كان حاصلا قبل أن قال موسى - عليه السلام - : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي فيمتنع حمل هذا السؤال على تلك الأشياء . الثاني : قيد هذا الشرح بالإسلام . فقال : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ثم قال : فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ وذلك النور ليس إلا المعرفة . واللّه أعلم . الحجة الثانية عشر : أنه كما قال أولا : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي قال بعده : وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وهذا الأمر مجمل ، فوجب حمله على ما تقدم ذكره ، وهو قيامه بتبليغ الرسالة ، وشروعه
--> ( 1 ) سورة النحل الآية 79 . ( 2 ) سورة طه الآية 25 . ( 3 ) سورة الشرح الآية 1 . ( 4 ) سورة الزمر الآية 22 . ( 5 ) أيضا قال عز وجل فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ( الأنعام 125 ) . والشرح يتضمن فضلا عما ذكره الرازي من العلوم المعارف ، برد اليقين ونور الهداية . وذلك أن الشرح قد اقترن بالهداية والنور لقوله عز وجل أَنْ يَهْدِيَهُ ولقوله فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ . وقد أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي جعفر المدائني رجل من بني هاشم وليس هو محمد بن علي قال : سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن هذه الآية فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ قالوا : كيف يشرح صدره يا رسول اللّه ؟ قال : نور يقذف فيه . فينشرح صدره له وينفسح له . قالوا : فهل لذلك من أمارة يعرف بها ؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور . والاستعداد للموت قبل لقاء الموت . وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طرف عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين نزلت هذه الآية فذكر نحوه . ( فتح القدير للشوكاني 2 / 162 ) .