فخر الدين الرازي
140
القضاء والقدر
إِناثاً « 1 » وقال : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ : الْجِنَّ « 2 » . وثانيها : تنزيل الشيء منزلة غيره . قال تعالى : أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ؟ « 3 » والتقدير : هل ننزل المصلحين منزلة المفسدين ؟ وكقول القائل إذا نزله منزلة العدو : إنك جعلتني عدوا لنفسك . وثالثها : الإقدار على الشيء ، والتمكين منه . يقال : جعل فلان أميرا وقاضيا . إذا نصب لذلك . قال تعالى : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً « 4 » وقال : وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً « 5 » والمراد منه : النصب لذلك الأمر ، والتعيين له . إذا ثبت هذا فنقول : لم لا يجوز أن يكون المراد من قوله : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ : أحد هذه الوجوه ؟ أما الحكم والتسمية فظاهر . ولا يقال : هذا باطل من وجهين : الأول : إن كل مسلم فإنه يستحق أن يسمى مسلما . فأي فائدة في طلب ذلك من اللّه تعالى ؟ الثاني : إن المسلمين يصفون المسلمين بالإسلام . وعلى هذا التقدير لا يبقى بين الجعل الصادر من اللّه تعالى ، وبين الجعل الصادر من كل أحد من آحاد المسلمين فرق . لأنا نجيب عن الأول : بأن الإسلام أعظم الخصال الحميدة ، فإذا وصف اللّه عبدا بذلك ، كان ذلك أشرف المناصب وأعلاها . فلا جرم يحسن طلبه من اللّه تعالى . ونظيره : ما حكى اللّه في قوله : وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ « 6 » . وعن الثاني : إن اللّه تعالى إذا وصف عبدا بخصلة شريفة ، كان ذلك يوجب من التعظيم والتقديم ما لا يوجبه وصف كل الخلق له بتلك الخصلة . ألا ترى أن الملك العظيم إذا وصف إنسانا ببعض صفات المدح والثناء ، كان ذلك أبلغ في التعظيم مما إذا وصفه بعض الأرذال بذلك . فكذا هاهنا . ثم نقول : وأيضا : يمكن حمل قوله : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ على أن يكون المطلوب تنزيلهما منزلة المسلمين في المدح والتعظيم ، أو في تكثير الألطاف في الدنيا ، أو في تكثير الثواب في الآخرة . والمسلم إن كان يستحق كل ذلك على اللّه تعالى ، إلا أنه لا يبعد أن يقال : إنه متى سأل اللّه تعالى ذلك ، فإنه لأجل ذلك السؤال يستحق مزيدا في هذه الأمور . ثم نقول : أيضا : لا يبعد حمله على التمكين من الإسلام في الزمان المستقبل ، ولا يبعد أن
--> ( 1 ) سورة الزخرف الآية 19 . ( 2 ) سورة الأنعام الآية 100 . ( 3 ) سورة ص الآية 28 . ( 4 ) سورة البقرة الآية 124 . ( 5 ) سورة الأنبياء الآية 73 . ( 6 ) سورة الشعراء الآية 84 .