فخر الدين الرازي
141
القضاء والقدر
يتوقف حسن تمكينها في المستقبل على إقدامها على ذلك السؤال . فثبت بما ذكرنا : أن قوله : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ محتمل لكل واحد من هذه الوجوه الثلاثة ، فكان الجزم بحمله على الإيجاد والتكوين تحكما محضا . سلمنا : أن المراد من الجعل : التكوين والتصيير . لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه : خلق الألطاف الداعية لهما إلى الإسلام ؟ لأن من فعل اللّه تعالى به ذلك ، فقد جعله مسلما . ألا ترى من أدّب ولده حتى صار أديبا ، فإنه يجوز أن يقول له : إني صيرتك أديبا وجعلتك عالما . وفي ضد ذلك يقال : إنه جعل ولده لصا محتالا . ثم نقول : هذه الآية متروكة الظاهر . لأنهما وقت هذا السؤال ، كانا مسلمين . فقوله : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ يقتضي طلب تحصيل الحاصل . وهو باطل . ثم نقول : هب أن ظاهر هذه الآية يقتضي كونه تعالى خالقا للإسلام ، لكنه على خلاف الدلائل العقلية . لأنه لو كان فعل العبد مخلوقا للّه تعالى ، لما استوجب العبد به مدحا ولا ذما ولا ثوابا ولا عقابا . وباللّه التوفيق . والجواب عن السؤال الأول من وجهين : الأول : إن الجعل المتعدي إلى مفعولين ، هو أن يصير موصوفا بصفة . فقوله : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ أي صيرنا موصوفين بصفة الإسلام . ولا معنى للتصيير إلا إيجاد الصفة فيه . وأما الوجوه التي ذكروها . فقد اتفق أهل اللغة على أنها مجازات . والأصل في الكلام هو الحقيقة . ثم نقول : أما حمل الجعل على الحكم والتسمية فباطل من وجوه : الأول : لو كان كذلك ، لكان من أخبر أن اللّه : موجود ، حي ، عالم ، قادر . لزم جواز أن يقال : إنه جعل اللّه موجودا عالما قادرا . ومعلوم أنه باطل . الثاني : لا نزاع أن الجعل حقيقة في التصيير ، فوجب أن لا يكون حقيقة في عيره ، دفعا للاشتراك . الثالث : إن بتقدير أن يكون المراد منه هو الحكم والتسمية . لكن الجبر على هذا التقدير أيضا لازم ، لما ثبت في باب العقليات : أن ما أخبر اللّه عنه ، فإن خلافه يفضي إلى الكذب في كلام اللّه . وذلك محال ، والمفضي إلى المحال محال ، فكان خلافه محالا ، فكان حصوله واجبا ، ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين . فثبت : أن هذا الوجه الذي ذكروه ، فإنه مع غاية ضعفه ، لو صح ؛ فإن يقوي مذهبنا ويؤكده . قوله : « لما لا يجوز حمله على طلب الألطاف » « 1 » ؟ قلنا : هذا أيضا مدفوع لوجوه :
--> ( 1 ) يعرف القاضي عبد الجبار الهمذاني المعتزلي للطف قائلا : « أعلم أن المراد بذلك عند شيوخنا رحمهم اللّه ، ما يدعو إلى -