فخر الدين الرازي
139
القضاء والقدر
الفصل الثالث في التمسك بالآيات المشتملة على لفظ « الجعل » وما يجري مجراه أعلم : أن صيغة جعل « 1 » ، قد تجيء متعدية إلى مفعول واحد ، ويكون معناها : الإحداث والتكوين . قال تعالى : وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ « 2 » وقد تجيء متعدية إلى مفعولين ويكون معناها : جعل الذات موصوفة بصفة . قال تعالى : وَجَعَلَنِي نَبِيًّا « 3 » وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ « 4 » . إذا عرفت هذه المقدمة ، فلنذكر الدلائل : الحجة الأولى : قوله تعالى : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ « 5 » وهذا تصريح بأن العبد لا يصير مسلما ، إلا بأن يجعله اللّه مسلما . وذلك يدل على أن الإسلام يحصل بخلق اللّه . فإن قيل : كما أن الجعل يرد بمعنى التصيير ، فكذلك يرد لوجوه أخرى : أولها : وصف الشيء بالشيء . قال تعالى : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ
--> ( 1 ) قال في مفردات الراغب الأصفهاني ص 94 : « جعل لفظ عام في الأفعال كلها هو أعم من فعل وصنع وسائر أخواتها ويتصرف على خمسة أوجه : الأول : يجري مجرى صار وطفق فلا يتعدى . نحو جعل زيد يقول كذا . . . الثاني : يجري مجرى أوجد فيتعدّى إلى مفعول واحد نحو قوله عز وجل وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ والثالث : في إيجاد شيء من شيء وتكوينه منه نحو جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا . والرابع : في تصيير الشيء على حالة دون حالة نحو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وقوله جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وقوله تعالى إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا . والخامس : الحكم بالشيء على الشيء حقا كان أو باطلا . فأما الحث فنحو قوله تعالى إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ وأما الباطل فنحو قوله عز وجل : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ » . ( 2 ) سورة الأنعام الآية 1 . ( 3 ) سورة مريم الآية 30 . ( 4 ) سورة البقرة الآية 128 . ( 5 ) سورة البقرة الآية 128 .