فخر الدين الرازي

138

القضاء والقدر

واعلم : أن هذا النص يجب أن يكون من المحكمات ، لا من المتشابهات . ويدل عليه وجهان : الأول : إن فرعون سأل موسى - عليه السلام - عن هذه المسألة . وموسى - عليه السلام - ذكر هذا الكلام في معرض البيان . وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز « 1 » . ولو كانت هذه الآية من المتشابهات ، لكان هذا تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة ، وتمكينا للخصم من الطعن في كلامه ، وإظهار فساده . وإنه لا يجوز . الوجه الثاني في بيان أن هذه الآية ، وجميع الآيات التي تمسكنا بها من المحكمات : هو أن الموجود . إما واجب لذاته ، وهو اللّه سبحانه ، وإما ممكن لذاته ، وهو كل ما سواه . وكل ممكن فإنه مفتقر إلى الواجب . فكل ما سوى اللّه ، فهو مفتقر إلى اللّه ، وموجود بإيجاد اللّه . وهذا هو تفسير قوله : رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ . ثُمَّ هَدى فلما دلت هذه النصوص على أن كل ما سوى اللّه - سبحانه - فإنما حصل بإيجاد اللّه . ودل هذا البرهان القاطع القاهر ، على صحة هذا المعنى ، لم يبق للخاطر فيه مجال . وثبت : أن كل تأويل يذكره الخصم فهو باطل ، وأن الحق إجراء هذه النصوص على ظواهرها في هذا الباب . وباللّه التوفيق .

--> ( 1 ) من مسائل أصول الفقه وفيه تفصيلات أنظرها في : التحصيل 1 / 421 ؛ البرهان 1 / 166 ؛ المستصفى 1 / 368 ؛ المنخول 68 ؛ نهاية السئول 2 / 540 ، الابهاج 2 / 215 ؛ شرح تنقيح الفصول 282 ؛ الإحكام 3 / 54 ؛ منتهى الوصول لابن الحاجب 141 ؛ إرشاد الفحول للشوكاني 173 - 175 .