فخر الدين الرازي

130

القضاء والقدر

الاستدلال بالآية ، وعلى التقدير الذي ذكرناه يتقرر كل واحد من الوجهين . فكان ما ذكرناه : أولى . الحجة الرابعة : قوله تعالى : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ « 1 » وفيه قراءتان متواترتان « 2 » . إحداها : بنصب كلمة « كلّ » والأخرى برفعها . أما القراءة بالنصب فهي دالة على قولنا : لأن تقدير الكلام : إنا خلقنا كل شيء بقدر . وهذا تنصيص منه تعالى على كونه خالقا لكل الأشياء ، وأنه إنما خلقها بتقديره وقصده . واعلم : أنه لا يمكنهم أن يقولوا هاهنا : المراد من قوله : إنا خلقنا : التقدير . وإلّا لصار معنى الكلام : إنا قدرنا كل شيء بقدر . وأما القراءة الثانية . وهي بالرفع . ففيها سؤال . وهو أن يقال : لم لا يجوز أن يكون قوله : كُلَّ شَيْءٍ مبتدأ و خَلَقْناهُ صفة . وقوله : بِقَدَرٍ يكون خبرا لذلك المبتدأ الموصوف ، والتقدير : إن كل شيء مخلوق لنا ، فهو واقع بقدر . على هذا الوجه لا يلزم كونه تعالى خالقا لكل الأشياء . والجواب : إنا إذا جعلنا قوله : كُلَّ شَيْءٍ : مبتدأ ، وجعلنا قوله : خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ : خبرا عنه . فحينئذ يحصل مقصودنا . فنقول : هذا الاحتمال أولى من الاحتمال الذي ذكرتم . ويدل عليه وجهان : الأول : إنا بينا أن القراءة بالنصب تفيد المعنى الذي ذكرناه ، فوجب حمل القراءة بالرفع على هذا المعنى أيضا . حتى تصير القراءتان متوافقتين في فائدة واحدة . الثاني : إن على التقدير الذي ذكرتم لا يتم الكلام إلا بإضمار أمر زائد على المذكور . وذلك لأنّ قوله : كُلَّ شَيْءٍ مبتدأ ، وقوله : خَلَقْناهُ صفة لذلك المبتدأ . فيبقى قوله

--> ( 1 ) سورة القمر الآية 49 . ( 2 ) ليست قراءة الرفع من القراءات العشر المتواترة . وقال أبو حيان في « البحر المحيط » قراءة الجمهور كل شيء بالنصب . وقرأ أبو السمال قال ابن عطية وقوم من أهل السنة بالرفع . . . فقد تنازع أهل السنة والقدرية الاستدلال بهذه الآية . فأهل السنة يقولون كل شيء فهو مخلوق للّه تعالى بقدرة دليله قراءة النصب لأنه لا يفسر في مثل هذا التركيب إلا ما يصح أن يكون خبرا لو وقع على الأول على الابتداء . وقالت القدرية - المعتزلة - القراءة بالرفع كل وخلقناه في موضع الصفة لكل أي أن أمرنا أو شأننا لك شيء خلقناه فهو بقدر أو بمقدار على حد ما في هيئته وزمنه وغير ذلك » ( 8 / 183 ) . وقال الرازي في تفسيره : « كل قرئ بالنصب وهو الأصح المشهور وبالرفع فمن قرأ بالنصب فنصبه بفعل مضمره يفسره الظاهر كقوله وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ وقوله وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ وذلك الفعل هو خلقناه وقد فسره قوله ( خلقناه ) كأنه قال : إنا خلقنا كل شيء بقدر وخلقناه على هذا لا يكون صفة لشيء . كما في قوله تعالى وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ غير أن هناك يمنع من أن يكون صفة كونه خاليا عن ضمير عائد إلى الموصوف وهاهنا لم يوجد ذلك المانع . وعلى هذا فالآية حجة على المعتزلة . لأن أفعالنا شيء فتكون داخلة في كل شيء فتكون مخلوقة للّه تعالى . ومن قرأ بالرفع لم يمكنه أن يقول كما يقول في قوله وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ حيث قرئ بالرفع لأن كل شيء نكرة فلا يصح مبتدأ فيلزمه أن يقول : كل شيء خلقناه فهو بقدر . كقوله تعالى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ في المعنى . وهذان الوجهان ذكرهما ابن عطية في تفسيره . وذكر أن المعتزلي يتمسك بقراءة الرفع . . . ( 29 / 30 ) .