فخر الدين الرازي

131

القضاء والقدر

بِقَدَرٍ تمام الخبر . إلا أن هذه الباء ، لا بد وأن تكون متعلقة بفعل مقدر ، فيصير المعنى : إنا كل شيء خلقناه . فإنما خلقناه بقدر ، أو فعل آخر يجري هذا المجرى . فثبت : أن على هذا التقدير يحتاج إلى الإضمار . أما إذا قلنا : إن قوله : كُلَّ شَيْءٍ مبتدأ ، وقوله : خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ خبر له . لم يحتج إلى الإضمار . ومعلوم أن الأصل عدم الإضمار ، فكان هذا التقدير أولى . وبقية الأسئلة على التمسك بهذه الآية ، هي التي تقدم ذكرها في الحجة الأولى . واللّه أعلم . الحجة الخامسة : قوله تعالى : هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ « 1 » وجه الاستدلال : أن هذا التركيب يفيد حصر الخبر والمبتدأ ، كما يقال : زيد هو السلطان في هذا البلد . أي : لا سلطان إلا هو . فكذا قولنا : هو اللّه الخالق . معناه : أنه لا خالق إلا هو . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : « هو » : مبتدأ . و اللَّهُ الْخالِقُ خبره . وهذا يقتضي أن لا يكون في الوجود إله خالق سوى اللّه ، ولا يقتضي أن لا يكون في الوجود خالق سوى اللّه . كما إذا قلنا : هو الواجب في موجوديته . فإنه لا يقتضي أنه لا موجود سواه ، بل يقتضي أنه لا موجود واجب الوجود سواه . سلمنا : أن هذه الآية تفيد أنه لا خالق إلا اللّه . إلا أنا نقول : العبد محدث لأفعال نفسه وموجد لها . ولا نقول : إنه خالق لها . لأن الخلق عبارة عن التقدير . فالخالق هو الذي يقع فعله مقدرا بالتقدير الذي يقدره به ، على الوجه الذي يوقعه عليه . وهذا لا يصح إلا من اللّه تعالى . فأما العبد فإنه في أكثر الأمر يقدر شيئا ، ويقع بخلافه . فلا جرم لم يجز إطلاق اسم الخالق عليه . واللّه أعلم . والجواب : إنا قد دللنا في كتاب « لوامع البينات . في تفسير الأسماء والصفات » « 2 » : إن اللّه اسم علم . وثبت أن اسم العلم لا يفيد فائدة سوى دلالته على الذات المخصوصة . ولهذا السبب قالوا : إن أسماء الأعلام قائمة مقام الإشارات . إذا ثبت هذا فنقول : لا يمكن أن يكون الحصر عائدا إلى مفهوم قولنا : « اللّه » هو تلك الذات المخصوصة ، فلو عاد الحصر إليه ، لصار معنى الكلام : إن ذلك المعين ليس إلا ذلك المعين ، ومعلوم : أن هذا الكلام عبث ، لأن كل شيء معين ، فذاك ليس إلا ذاك فلا يبقى لتخصيص ذات اللّه بهذا الحصر فائدة . فثبت : أن هذا الحصر لا يمكن عوده إلى مفهوم قولنا « اللّه » فوجب أن يكون هذا الحصر عائدا إلى المفهوم من لفظ الخالق . وحينئذ يصير تقدير الآية : هو الخالق . وذلك يقتضي حصر الخالقية فيه . وأما السؤال الثاني . فجوابه : إن الخالق بمعنى المقدّر هو الذي يوقع الشيء على مقدار

--> ( 1 ) سورة الحشر الآية 24 . ( 2 ) انظر لوامع البينات للرازي - طبع دار الكتاب العربي بيروت ص 114 وما بعدها .