فخر الدين الرازي
113
القضاء والقدر
تعالى ، لو كان كاذبا ، لامتنع عليه أن يخبر عما علمه بخبر صدق ، وقلنا : إن هذا الامتناع باطل ، فثبت : أن كلام اللّه صدق . واعلم : أن هذا الكلام ضعيف . لأنا نقول : كما أن العالم بالشيء يمكنه أن يخبر في نفسه عما علمه بخبر صدق ، فكذلك يمكنه أيضا أن يخبر عنه بخبر كذب ، وكون الكلام القديم صدقا ، يمنع من إمكان هذا الكذب . فإن منعوا هذا الإمكان في جانب الكذب ، منعناه أيضا في جانب الصدق . ثم لئن سلمنا : أن الكلام القديم يجب كونه صدقا ، إلا أنكم لما تمسكتم بذلك الكلام ، القديم الأزلي المنزه عن أن يكون حرفا أو صوتا . وإنما تمسكتم بهذه الألفاظ المركبة المحدثة المسموعة . فهب أن ذلك الكلام القديم : صدق ، إلا أن نقول : لم لا يجوز أن يقال : إن هذه الألفاظ التي نسمعها ، ونستدل بها في هذه المسألة ، تكون كلها أكاذيب وأضاليل وأباطيل ؟ فثبت : أنه وإن كان الكلام القديم صدقا ، إلا أن ذلك لا ينفع في القطع بصحة مدلولات هذه الألفاظ التي نسمعها . وإن خلط أحد البابين بالآخر ، إما جهل أو تجاهل . الوجه الثاني في بيان أن القول بأن العبد غير موجد لأفعال نفسه ، يمنع من الاعتراف بأن القرآن حجة . لو أن مدار التمسك بالقرآن ، وبسائر الدلائل اللفظية على أصل واحد ، وهو أن الأصل في الكلام : الحقيقة . لا دليل لنا على صحة هذه المقدمة ، إلا أن نقول : لو أراد المتكلم من كلامه غير حقيقته ، مع أنه لم يدل على مراده ولم يبينه ، لزم كونه جاهلا ساعيا في إيقاع التلبيس والتدليس أو نقول : يلزم منه تكليف ما لا يطاق . إلا أنا نقول : من اعتقد أنه لا جهل ولا تلبيس ولا تدليس إلا وهو واقع بإيقاع اللّه ، وبإرادته . فمع هذا المذهب كيف يمكنه تقرير هذه المقدمة ؟ وأما قوله : « يلزم منه تكليف ما لا يطاق » فهذا أيضا وارد على مذهب الجبرية . لأنه تعالى يخلق الكفر في الكافر ، ثم يأمره بالإيمان . فكذا هاهنا . فثبت : أنه لا سبيل إلى إثبات هذه المقدمة على مذهب الجبرية . ومتى تقيد إثباتها ، فقد تعذر الاستدلال بالقرآن والأخبار . الوجه الثالث في تقرير هذا المطلوب : إن مذهب الجبرية : أنه تعالى هو الذي يخلق الكفر في الكافر ويريده ، وكل من أراد شيئا ، فإنه أيضا يريد كل ما أفضى إليه . ومعلوم : أن التلبيس والتدليس وإطلاق اللفظ لإرادة غير معناه مما يفضي إلى حصول الجهل والضلال . وذلك يقتضي على مذهب الجبرية أنه تعالى أراد بهذه الألفاظ غير ظواهرها ، ومع هذا الاحتمال كيف يمكن التمسك بالقرآن ؟ . واعلم : أن للمعتقد في الجواب أن يقول : هذه الإلزامات أيضا واردة عليكم وذلك وإن نفينا في حق اللّه تعالى . إلا أن الوجوه العشرة التي ذكرناها قائمة . ومع تلك الوجوه العشرة لا يبقى شيئا من الدلائل اللفظية : يقينية . فهذا جملة الكلام في هذا الموضع .