فخر الدين الرازي
114
القضاء والقدر
واعلم : أن جوابنا عن مجموع هذه السؤالات أن نقول : رأينا المعتزلة ملئوا كتبهم من الاستدلال بالآيات والأخبار ، على أن العبد موجد لأفعال نفسه . فنقول : جواز التمسك بالدلائل السمعية . إما أن يكون موقوفا على العلم بكون العبد موجدا لأفعال نفسه ، أو لا يكون موقوفا عليه . فإن كان الأول كان إثبات كون العبد موجدا بالدلائل السمعية ، إثباتا للأصل بالفرع وإنه يوجب الدور . وإن كان الثاني ، فحينئذ لا يلزم من القدح في كون العبد موجدا ، تعذر الاستدلال بالآيات والأحاديث . فإن قالوا : مقصودنا من ذكر الآيات والأحاديث في بيان كون العبد موجدا : ليس هو إثبات ذلك في نفس الأمر ، بل مقصودنا : إلزام الخصم . وذلك لأن المجبرة لما كانوا معترفين بأن القرآن حجة . فإذا ثبت أن القرآن يدل على كون العبد موجدا لأفعال نفسه ، فقد حصل الإلزام . فنقول : فاقبلوا منّا مثله . فإن المعتزلة لما سلّموا أن القرآن حجة ، ثم دل القرآن على أن موجد أفعال العباد هو اللّه تعالى . فحينئذ يحصل الإلزام والإفحام . فثبت : أن ما ألزموه علينا ، لازم عليهم . وباللّه التوفيق البحث الثالث في أن القرآن هل يصير مطعونا فيه بسبب ما فيه من الآيات الدالة تارة على الجبر ، وأخرى على القدر ؟ « 1 » قالوا : إن الجبرية تمسكوا بآيات كثيرة ، قوية الدلالة على الجبر . والقدرية أيضا تمسكوا
--> ( 1 ) القرآن الكريم ، هو كتاب اللّه تعالى ، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ولو كان من عند غير اللّه عز وجل لوجدوا فيه اختلافا كثيرا . وهو يمثل كلام اللّه ، ففيه وحدة المخاطب ( بكسر الطاء ) ووحدة المخاطب ( بفتحها ) ووحدة الخطاب . فلا ينبغي أن يدعي مدع أن القرآن يتعارض أو تتناقض آياته . وإذا حدث مثل هذا الأمر فسببه الرئيسي راجع إلى الإنسان إما إلى فهمه وإدراكه أو ضعف لسانه العربي المبين ، أو عدم اطلاعه الوافي على كل القرآن الكريم ، أو ربما تلبيسه الحق بالباطل وإدخال معاني غير معهودة عند العرب أو في القرآن على النصوص القرآنية . أو جعله الآيات القرآنية خادمة لآرائه وناصرة لمذهبه ! . . ومن هنا فإنه من الضروري لكل مفسر أن يراعي أن تكون تفسيراته غير مخلة بالسياق القرآني وغير مخلة بالنظم القرآني ككل . دون ما حاجة إلى تأويلات متعسفة تخرج الألفاظ من سياقاتها وتجعلها قطعة فريدة يلجأ المفسر بعدها إلى تحميل اللغة العربية عبء البحث عن معنى بعيد يستطيع أن يفسر به هذه اللفظة أو يرفع التعارض المظنون . والقرآن الكريم لم يتعرض للمشكلة - القدر - بكونها مشكلة . وإنما إشكاليتها أتت من البحث العقلي ومن مناهج الفلاسفة والمتكلمين في البحث . والقرآن الكريم وحي منزل من عند اللّه عز وجل فهو في الأصل لحل إشكاليات العقل ولرفعه من حيرته ، ولانتشاله من ظنونه بسبب عدم إدراكه لكل الجوانب في بحثه . فهو من هذه الجهة ليس جبريا ولا قدريا . ولا يقال القرآن أو آيات القرآن جبرية بمعنى أنها تدل وتثبت مذهب الجبر ولا قدريا بمعنى أنه يؤيد وجهة نظر القدريين والمعتزلة . . . البحث في القرآن اشتمل على البحث في الإنسان كإنسان ومخلوق ، يعيش بين عالمين عالم الشهادة وعالم الغيب ، يتصل -