فخر الدين الرازي

112

القضاء والقدر

ولا يقال : إنه يقبح من اللّه تعالى خلق المعجز عقيب دعوى الكاذب مطلقا . وذلك لأنه تعالى خلقه لغرض تصديقه ، فهو قبيح . وإن خلقه لغرض آخر فهو أيضا قبيح . لأنه يوهم كونه واقعا لغرض التصديق . وكما أن فعل القبيح قبيح ، فكذا فعل ما يوهم القبيح قبيح أيضا . لأنا نقول : لا نسلم أن فعل ما يوهم القبيح : قبيح . ألا ترى أن إنزال المتشابهات قبح تقصيرا من المكلف . حيث قطع لا في موضع القطع . فكذا هاهنا . لما ثبت أن خلق المعجز ، عقيب دعوى الكاذب ، يحتمل وجها آخر ، سوى التصديق . فلو جزم المكلف بحمله على التصديق ، كان التقصير من المكلف . حيث قطع لا في موضع القطع . فثبت بهذه الوجوه الثلاثة : أن الإشكال الذي ألزموه علينا ، فهو أيضا لازم على أصولهم ، من هذه الوجوه الثلاثة . وباللّه التوفيق وأما بيان أن القول بأن العبد غير موجد لأفعال نفسه ، ينافي الإقرار بكون القرآن حجة : فبيانه من ثلاثة أوجه . الأول : إنه لما لم يقبح منه تعالى ، خلق الضلالات والفواحش . فكيف يقبح منه أن يكذب ؟ ومع هذا التجويز لا يبقى القرآن حجة . لا يقال كلام اللّه صفة قديمة ، والصفة القديمة يمتنع أن تكون كذبا . لأنا نقول : إن هذا الكلام : باطل من وجوه : الأول : إنا لا نسلم أن كلام اللّه صفة قديمة . فإن ذلك مما عظم الخلاف فيه ، بيننا وبينكم . ثم نقول : لو كان كلام اللّه قديما ، لكان كذبا . والدليل عليه : أنه مشتمل على الإخبار عن الأمور الماضية . كقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ « 1 » - إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ « 2 » والإخبار عن الأمور الماضية لا يكون صدقا إلا إذا كان المخبر عنه سابقا على الخبر . وكون الأدنى مسبوقا بغيره : محال . فثبت بهذا : أن كلام اللّه تعالى ، لو كان قديما ، لكان كذبا . وأنتم ادعيتم أن كونه قديما ، ينافي كونه كاذبا . فوجب أن يقال : إن كونه قديما ، ينافي كونه كذبا . قالوا : الدليل عليه : هو أنه تعالى عالم بجميع المعلومات ، وكل من كان عالما بشيء ، لم يمتنع أن يخبر في نفسه ، عن ذلك الشيء بخبر صدق . فلو كان صدقه تعالى كذبا ، لكان ذلك الكذب قديما ، والقديم يمتنع زواله . وإذا امتنع زوال الكذب ، امتنع حصول الصدق . لأن اجتماع الضدين : محال . فثبت : أنه

--> ( 1 ) سورة القدر الآية 1 . ( 2 ) سورة نوح - عليه السلام - الآية 1 .