فخر الدين الرازي

111

القضاء والقدر

متمكنون فيهما غير ممنوعين عنهما فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ، وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ « 1 » وثبت بالمتواتر المقطوع به أنهم كانوا يمدحون من آمن وأطاع ، ويذمون من كفر وعصى . فلو قلنا : العبد غير مستقل بالفعل ، كان ذلك تصريحا بكونهم ممنوعين من الأفعال ، غير قادرين عليها . وذلك تصريح بتكذيب الأنبياء - عليهم السلام - في عين تلك الأشياء ، التي ادعوا كونهم رسل اللّه فيها . والتصريح بمثل هذا التكذيب ، ينافي الاعتراف بكونهم صادقين . فثبت بهذه الوجوه الثلاثة : أن القول بأن العبد غير موجد وفعال نفسه ، ينافي الإقرار بالنبوة . واعلم : أن المعتمد في الجواب عن هذا المقام ، أن نقول : هذا الذي ألزمتموه علينا ، لازم عليكم من وجوه : الأول : إنكما لما اعترفتم بأن قدرة العبد صالحة للإيجاد . لم يمكنكم القطع بأن فاعل هذه المعجزات هو اللّه تعالى . ونحن قد حكينا في باب دلائلنا العقلية : دليل المعتزلة على أن غير اللّه تعالى ، لا يصح منه خلق الجسم والحياة . وبينا ضعفه وسقوطه . وأما نحن فلما قلنا : إن قدرة العبد لا تصلح للإيجاد ، لم يتوجه هذا السؤال علينا البتة . فثبت : أن دلالة المعجز على صدق المدعي ، إنما تتم على مذهبنا ، لا على مذهبكم . الثاني : إن المعتزلة . إما أن يحكموا بأن الفعل يتوقف على الداعي ، أو لا يحكموا بذلك . فإن كان الأول لزمهم الجبر . وذلك لأن عند عدم الداعي ، يمتنع صدور الفعل عنه ، وعند وجوده يجب صدور الفعل عنه . وتكون أفعال العباد معلولات أفعال اللّه تعالى . وحينئذ يلزمهم ما ألزموه علينا . وإن كان الثاني . وهو أن صدور الفعل عن القادر لا يتوقف على الداعي ، فعلى هذا التقدير يخرج المعجز عن كونه دليلا على الصدق . لاحتمال : أنه تعالى خلق ذلك المعجز . لا لداعية ولا لغرض أصلا . وعلى هذا التقدير ، فإنه يخرج المعجز عن كونه دليلا على صدق المدعي . الثالث : وهو أن إظهار المعجز على هذا الكاذب ، إنما يقبح إذا كان غرض اللّه منه : تصديق ذلك الكاذب . أما لو خلق اللّه المعجز عقيب دعوى الكاذب . لا لغرض التصديق ، بل لغرض آخر . لم يقبح البتة . ومن المعلوم : أن أغراض اللّه تعالى في خلق المخلوقات كثيرة ، غير مضبوطة . ولما ثبت أنه يجوز أن يخلق اللّه تعالى ذلك المعجز عقيب دعوى الكاذب ، لغرض آخر سوى التصديق ، وثبت أن على هذا التقدير لا يقبح خلقه علمنا : أنه لا يقبح من اللّه تعالى خلق المعجز ، عقيب دعوى الكاذب .

--> ( 1 ) سورة الكهف الآية 29 .