فخر الدين الرازي
110
القضاء والقدر
وجب أن يقدر على أن يعرفنا من صدقهم على سبيل الاستقلال . وما الجامع بينهما ؟ . ثم إن القول بأن اللّه تعالى هو الخالق للكفر والفواحش ، يمتنع أن ينفي المعجز وجه دلالته على الصدق . والقادر إنما يكون قادرا على ما يكون في نفسه جائزا صحيحا ، لا على ما يكون في نفسه ممتنعا . وليس كذلك تعريف صدقهم على سبيل الضرورة . لأن ذلك غير ممتنع في نفسه ، فصح كونه قادرا عليه . وظهر الفرق . الثاني : سلمنا أنه تعالى لما قدر على تعريف صدق الأنبياء اضطرارا ، وجب أن يقدر على تعريف صدقهم بالاكتساب . إلا أن مذهبكم يفضي إلى أن لا يقدر اللّه تعالى على ذلك ، فكان مذهبكم مفضيا إلى المحال ، ، فوجب أن يكون محالا . وأنتم ما زدتم على هذا ، إلّا السعي في إبطال مذهبكم . الثالث : إنكم قلتم : إنه لا يصح من اللّه تعالى إظهار المعجز على يد الكاذب ، وإلا لزم تعجيزه على أن يعرفنا صدق الأنبياء بالاكتساب . ونحن نقول : وجب أن لا يصح من اللّه تعريفنا صدق الأنبياء بالاكتساب ، وإلا لزم تعجيزه عن خلق المعجزات ، عقيب دعوى الكذاب . ولما كان ممتنعا في نفسه ، لم يكن عدم القدرة عليه عجزا . قلنا : ولم ينفصلون عمن يقول : دلالة المعجز على الصدق ، لما كانت ممتنعة لنفسها ، لم يكن عدم القدرة على خلق هذا الدليل : عجزا ؟ . وبالجملة : فلا فرق بين الجانبين . الرابع : وهو أن قولكم : إنه تعالى لا يصح منه خلق المعجز عقيب دعوى الكاذب : كلام باطل . لأن فلق القمر ، عقيب تكلم إنسان بكلام كذب ، ممكن في نفسه . واللّه تعالى قادر على كل الممكنات ، فيمتنع حصول هذا الامتناع ، نظرا إلى القدرة ، ويمتنع أيضا حصوله نظرا إلى الداعي . لأن قبح القبائح ، لا تأثير لها عندكم في هذا الباب . ولما ثبت أنه لا يمكن القول بحصول هذا الامتناع . لا نظرا إلى القدرة ، ولا نظرا إلى الإرادة والداعي . كان القول بثبوت هذا الامتناع : باطلا قطعا . الوجه الثاني في بيان أن القول بأن اللّه تعالى خالق لأعمال العباد ، يمنع من القول بإثبات النبوات : وذلك لأن المقصود من بعثة الأنبياء - عليهم السلام - إلى الخلق : دعوتهم إلى الطاعات ، ومنعهم عن القبائح والمنكرات . لكن دعوة الخلق إلى هذه الأشياء إنما تعقل عند كونهم قادرين على الأفعال . لأن قبح تكليف العاجز ، معلوم في بدائه العقول . فإذا لم يكن العبد مستقلا بالفعل والترك ، كان تكليفه تكليفا للعاجز . فثبت : أن القول بأن العبد غير موجد لأفعال نفسه ، ينافي الإقرار بالنبوة . الوجه الثالث : إن الكتب الإلهية بأسرها ناطقة بأن العباد قادرون على الخيرات والشرور