أحمد بن الحسين البيهقي

85

كتاب القضاء والقدر

والروائح والأشكال والمقادير والحركات وغير ذلك ، فإذا كان قد خلق لون الإنسان لم يكن هو المتلون به ، وإذا خلق رائحة منتنة أو طعما مرا أو صورة قبيحة ونحو ذلك مما هو مكروه مذموم مستقبح ، لم يكن هو متصفا بهذه المخلوقات القبيحة المذمومة والمكروهة والأفعال القبيحة ، ومعنى قبحها كونها ضارة لفاعلها ، وسببا لذمه وعقابه ، وجالبة لألمه وعذابه ، وهذا أمر يعود على الفاعل الذي قامت به لا على الخالق الذي خلقها فعلا لغيره » « 1 » . المسألة الثانية : مسألة قدرة العبد ، وهل لها تأثير ؟ فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه تعالى - : « التأثير اسم مشترك ، قد يراد بالتأثير الانفراد بالابتداع والتوحيد بالاختراع ، فإن أريد بتأثير قدرة العبد هذه القدرة فحاشا للّه ، لم يقله سنيّ ، وإنّما هو المعزو إلى أهل الضلال ، وإن أريد بالتأثير نوع معاونة إنما في صفة من صفات الفعل ، أو في وجه من وجوهه كما قاله كثير من متكلمي أهل الإثبات فهو أيضا باطل بما به بطل التأثير في ذات الفعل ، إذ لا فرق بين إضافة الانفراد بالتأثير إلى غير اللّه - سبحانه - في ذرة أو فيل ، وهل هو إلا شرك دون شرك ، وإن كان قائل هذه المقالة ما نحا إلّا نحو الحق . وإن أريد بالتأثير أن خروج الفعل من العدم إلى الوجود كان بتوسط القدرة المحدثة ، بمعنى أن القدرة المخلوقة هي سبب وواسطة في خلق اللّه - سبحانه وتعالى - الفعل بهذه القدرة ، كما خلق النبات بالماء ، وكما خلق الغيث بالسحاب ، وكما خلق جميع المسببات ، والمخلوقات بوسائط وأسباب فهذا حق ، وهذا شأن جميع الأسباب والمسببات ، وليس إضافة التأثير بهذا التفسير إلى قدرة العبد شركا ، وإلّا فيكون إثبات جميع الأسباب شركا ، وقد قال الحكيم الخبير : فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ وقال تعالى : قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ . فبين أنّه المعذّب ، وأن أيدينا أسباب وآلات وأوساط وأدوات في

--> ( 1 ) « مجموع الفتاوى » ( 8 / 121 - 123 ) .