أحمد بن الحسين البيهقي
51
كتاب القضاء والقدر
سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فقال له عمر قل : سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ « 1 » قال : كيف ترى ؟ قال : كأنّي لم أقرأ هذه الآيات قط وإنّي أعاهد اللّه أن لا أتكلم في شيء مما كنت أتكلم فيه أبدا . فقال عمر : اللهم إن كان صادقا ، فثبته وإن كان كاذبا فاجعله آية للمؤمنين . فلم يتكلم زمن عمر ، فلمّا كان يزيد بن عبد الملك ( ت 105 ه ) وكان رجلا لا يهتم بهذا ولا ينظر فيه تكلم غيلان ، فلمّا تولى الخلافة هشام بن عبد الملك ( ت 125 ه ) أرسل إليه فقال له : أليس قد كنت عاهدت اللّه لعمر لا تتكلم في شيء من هذا أبدا ، قال : أقلني فو اللّه لا أعود قال : لا أقالني اللّه إن أقلتك هل تقرأ فاتحة الكتاب ؟ قال : نعم ، قال : اقرأ الحمد للّه رب العالمين ، فقرأ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال : قف ، علام استعنته ؟ على أمر بيده لا تستطيعه أو على أمر في يدك ؟ اذهبا فاقطعا يديه ورجليه واضربا عنقه واصلباه ، وجاء أن هشاما أرسل إلى الأوزاعي فناظره وأفتى بقتله . وقيل : إنّه قطع يده في المرة الأولى ثم أطلقه ، فمر به رجل والذباب على يده ، فقال له : يا غيلان ! هذا قضاء وقدر ، فقال : كذبت ، لعمر اللّه ما هذا قضاء ولا قدرا ، فبعث إليه آنذاك هشام وقتله « 2 » . وما كان هذا من هشام مع ما عرف به من ورع شديد على الدماء - حتى إنّه غضب مرة على رجل فقال له : اسكت وإلّا ضربتك سوطا « 3 » - إلّا لبشاعة المقالة التي أظهرها غيلان ومن سبقه .
--> ( 1 ) سورة يس ، الآية رقم ( 9 ، 10 ) . ( 2 ) انظر في الخبر « السنّة » لعبد اللّه بن أحمد ( 2 / 429 ) ، و « القدر » للفريابي ( رقم 283 ) و « أخبار عمرو بن عبيد » للدار قطني ( 20 ، 21 ) ، و « شرح أصول اعتقاد أهل السنّة » ( 3 / 712 - 717 ) ، و « تاريخ دمشق » لابن عساكر ( 14 / 184 - 186 ) . ( 3 ) « البداية والنهاية » لابن كثير ( 10 / 406 ) .